أبل
ألمح تيم كوك في أكثر من مناسبة إلى أن مستقبل تقنيات أبل لن يظل حبيس الجيب كما اعتاد المستخدمون مع هواتف آيفون، بل سيتجاوز ذلك نحو أجهزة قادرة على التفاعل مع العالم كما نراه نحن بأعيننا. هذه الإشارات المتزايدة تعكس تحولا استراتيجيا عميقا داخل الشركة، يقوم على نقل مركز الثقل من شاشة الهاتف إلى فضاء أوسع يمتزج فيه العالم الرقمي بالواقع اليومي بصورة طبيعية وسلسة.

الفكرة المحورية في هذا التوجه تتمثل في تطوير جيل جديد من الأجهزة القابلة للارتداء يعتمد على ما يعرف بالذكاء البصري، وهو مفهوم يشير إلى أنظمة متقدمة تستطيع تحليل وفهم المشهد المحيط بالمستخدم في الوقت الفعلي. بدلا من أن يقتصر دور الجهاز على عرض المعلومات عند الطلب، يصبح قادرا على تفسير ما يراه المستخدم وتقديم دعم ذكي يتناسب مع السياق، سواء كان ذلك أثناء التنقل في مدينة مزدحمة أو عند التفاعل مع أشخاص أو عناصر في البيئة المحيطة.
هذا التحول لا يعني التخلي عن الأجهزة الحالية، بل إعادة تعريف دورها ضمن منظومة أوسع. فكما أحدث آيفون نقلة نوعية في طريقة تفاعلنا مع التقنية عبر اللمس، تسعى أبل الآن إلى مرحلة يكون فيها الإدراك البصري حجر الأساس. الجهاز المستقبلي لن يكون مجرد شاشة إضافية، بل رفيقا رقميا يرى ويحلل ويقترح، مستندا إلى تقنيات تعلم آلي متقدمة ومعالجات مصممة خصيصا للتعامل مع البيانات البصرية بكفاءة عالية.
وبحسب تقرير للصحفي مارك غورمان في بلومبرغ، فإن أبل تعيد بالفعل توجيه جهودها نحو فئة جديدة بالكامل من المنتجات، يكون الذكاء البصري في صميمها. ويشير التقرير إلى أن الشركة تستثمر بكثافة في تطوير مكونات برمجية وعتادية قادرة على معالجة الصور والفيديو بشكل لحظي، مع الحفاظ على معايير الخصوصية التي تعد من ركائز فلسفة أبل. هذا التوجه يعكس قناعة داخل الشركة بأن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستعتمد على فهم السياق المحيط بالمستخدم أكثر من اعتماده على إدخال الأوامر يدويا.
الأجهزة القابلة للارتداء المرتقبة قد تتخذ أشكالا متعددة، من نظارات ذكية خفيفة الوزن إلى إكسسوارات متطورة تتكامل مع بقية منظومة أبل. غير أن القاسم المشترك بينها سيكون قدرتها على قراءة المشهد وتحويله إلى معلومات مفيدة وفورية. تخيل أن تنظر إلى معلم تاريخي في مدينة ما، فيقوم الجهاز بعرض معلومات دقيقة عنه، أو أن تلتقي بشخص فيذكرك النظام باسمه وسياق علاقتك به، كل ذلك دون الحاجة إلى إخراج هاتفك من جيبك.
هذا التصور ينسجم مع رؤية أوسع تعتبر أن التقنية المثالية هي تلك التي تتلاشى في الخلفية، وتعمل بهدوء لخدمة المستخدم دون أن تفرض نفسها عليه. ومن خلال الذكاء البصري، تسعى أبل إلى جعل التفاعل مع أجهزتها أكثر طبيعية وأقرب إلى الطريقة التي نفهم بها العالم عبر حواسنا. وإذا ما نجحت الشركة في تحقيق هذا الطموح، فقد نشهد مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم الهاتف الذكي نحو عصر من الحوسبة المحيطة التي ترى وتفهم وتستجيب بذكاء.
من التقاط الصور إلى فهم السياق
أشارت أبل بالفعل إلى هذا التوجّه من خلال مزايا ظهرت في آيفون 16 برو، حيث أصبح بإمكان المستخدم تصوير عنصر ما وطرح أسئلة حوله مباشرة.
غير أن الطموح يتجاوز مجرد تحليل الصور الثابتة، ليصل إلى تقديم مساعدة فورية قائمة على إدراك السياق المحيط بالمستخدم.
فبدلاً من أن يكتفي الجهاز بتوجيه مثل “تقدّم 500 قدم”، قد يقدّم إرشادًا أكثر واقعية كأن يقول: “انعطف يسارًا بعد مقهى ستاربكس”.
وقد يتمكن من التعرّف على مكونات وجبتك، أو تذكيرك بأخذ البريد عند اقترابك من باب المنزل.
أجهزة جديدة من النظارات إلى المعلّقات
هذا التوجّه لا يقتصر على الهاتف الذكي وحده.
تبحث أبل في عدة فئات من الأجهزة القابلة للارتداء، من بينها:
AirPods مطوّرة تساعد المستخدم على التنقل وفهم البيئة المحيطة به.
نظارات ذكية تعرض الإشعارات واللافتات والمعلومات مباشرة ضمن مجال الرؤية.
معلّقة ذكية تُرتدى حول الرقبة ومزوّدة بكاميرات تعمل كعين إضافية ترافق المستخدم.
الهدف ليس استبدال الهاتف، بل تعزيز دوره وتوسيعه. وهذه نقطة محورية تميّز هذا المسار عن تجارب شركات أخرى أخفقت حين حاولت طرح أجهزة بديلة للهاتف بالكامل.
لماذا هذا التحول مهم؟
يعكس هذا التحول رغبة أبل في تقليل اعتماد المستخدم على النظر المستمر إلى الشاشة.
فبدلاً من إخراج الهاتف في كل مرة، تصبح المعلومات متاحة ضمن مجال الرؤية أو عبر مساعد صوتي مدعوم بقدرات فهم بصري فوري.
كما يشير إلى سعي أبل لمواكبة المنافسين الذين عززوا قدراتهم في الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسهم غوغل من خلال نموذج جيميناي القادر على تحليل الصور وفهم السياق.
غير أن الرهان الحقيقي قد يكون على عنصر التصميم. فإذا نجحت أبل في تطوير نظارات تبدو طبيعية بالكامل، أو معلّقة أقرب إلى قطعة إكسسوار أنيقة منها إلى جهاز تقني، فقد يتكرر المشهد الذي رافق إطلاق Apple Watch عندما واجهت شكوكًا في البداية قبل أن تتحول إلى منتج واسع الانتشار.
هل نحن أمام حقبة جديدة؟
قد يثير ارتداء جهاز مزوّد بكاميرا بشكل دائم تساؤلات تتعلق بالخصوصية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مستوى مختلف من التفاعل بين الإنسان والتقنية.
وإذا استطاعت أبل تحقيق توازن فعلي بين الفائدة العملية وحماية الخصوصية والتصميم الجذاب، فقد نكون أمام انتقال تدريجي من مفهوم الهاتف الذكي إلى منظومة ذكية ترافق المستخدم وتفهم ما يراه.
المنافسة المقبلة في عالم التقنية قد لا تتمحور فقط حول سرعة المعالج أو جودة الشاشة، بل حول قدرة الأجهزة على فهم العالم المحيط بالمستخدم وتحويل هذا الفهم إلى قيمة حقيقية في حياته اليومية.




