تقنية

إيلون ماسك

أوضح الملياردير ورائد الأعمال الشهير إيلون ماسك، مؤسس شركة سبيس إكس، أن شركته قد حولت تركيز جهودها البحثية والهندسية نحو مشروع طموح للغاية يتمثل في بناء “مدينة ذاتية النمو” على سطح القمر. هذا الإعلان يوضح رؤية ماسك المستمرة والطموحة لتوسيع وجود البشرية خارج كوكب الأرض، بحيث تصبح المستعمرات الفضائية حقيقة قابلة للتحقق وليس مجرد فكرة خيالية. وأشار ماسك، في تصريحاته الأخيرة عبر منصة التواصل الاجتماعي “إكس”، إلى أن هذه المدينة القمرية يمكن أن تصبح واقعًا ملموسًا خلال فترة زمنية لا تتجاوز العقد القادم، أي أقل من عشر سنوات، إذا سارت الأمور وفق الخطط الموضوعة والتقنيات المطورة حديثًا.

إيلون ماسك
إيلون ماسك

وأضاف ماسك أن مشروع المدينة على القمر يختلف عن أي مشاريع فضائية سابقة، إذ يهدف إلى إنشاء بيئة متكاملة تكون قادرة على التوسع الذاتي، معتمدة على أنظمة متقدمة لتوليد الطاقة، ومعالجة المياه، وإنتاج الغذاء، والتصنيع المحلي، بحيث يمكن للمدينة أن تنمو وتتطور دون الحاجة إلى موارد مستمرة من الأرض. ويعكس هذا التوجه الطموح رؤية ماسك التي تقوم على تطوير بنية تحتية فضائية مستدامة، تمهد الطريق أمام البشرية لتصبح قوة متعددة الكواكب، وهو الهدف الذي لطالما شدد عليه في السنوات الماضية، سواء في خططه المتعلقة بالمريخ أو القمر.

ورغم التركيز الجديد على القمر، فقد أكد ماسك أن شركة سبيس إكس لا تزال ملتزمة بتحقيق طموحها الأكبر المتعلق باستعمار كوكب المريخ. وأوضح أن العمل مستمر في هذا الاتجاه، وأن الشركة تهدف إلى إنشاء مدينة على المريخ خلال فترة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات، وهو الهدف الذي وصفه الكثيرون بأنه من أصعب وأعظم المشاريع في تاريخ الاستكشاف الفضائي. وتعد هذه المدينة المريخية بمثابة حلم طويل الأمد لمسك، الذي لطالما أكد على أن البشرية تحتاج إلى أن تصبح نوعًا متعدد الكواكب لضمان مستقبل طويل الأمد للبشرية، في ظل التحديات البيئية والاقتصادية والسياسية التي يواجهها كوكب الأرض.

كما أشار ماسك إلى أن بناء هذه المدن الفضائية، سواء على القمر أو المريخ، يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا المتقدمة التي طورتها سبيس إكس، من صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام، مثل صاروخ “ستارشيب”، إلى أنظمة دعم الحياة المتطورة، وتقنيات التعدين الفضائي، والذكاء الاصطناعي الذي يساعد في إدارة العمليات المعقدة في بيئة لا يمكن للبشر العيش فيها بشكل طبيعي بدون مساعدة التكنولوجيا. ويؤكد خبراء الفضاء أن هذه المشاريع، إذا نجحت، قد تمثل قفزة هائلة للبشرية، من مجرد السفر إلى الفضاء إلى العيش فيه بشكل دائم ومستدام.

وتعكس تصريحات ماسك الأخيرة حرصه على وضع جدول زمني واضح لتلك المشاريع، مع التركيز على مرحلتين رئيسيتين: الأولى تتمثل في إنشاء مدينة على القمر تكون بمثابة مختبر حي لتجربة تقنيات الحياة في الفضاء، والثانية في الانتقال نحو المشروع الأكبر المتمثل في استيطان المريخ. ويعتقد ماسك أن النجاح في المرحلة القمرية سيشكل الأساس اللازم للانتقال إلى المريخ، حيث سيتمكن الفريق من اختبار جميع الأنظمة الحيوية والبنية التحتية في بيئة أقرب إلى الأرض قبل خوض التجربة الأكثر تحديًا.

بهذا الشكل، يواصل إيلون ماسك، من خلال شركة سبيس إكس، دفع حدود الاستكشاف البشري، وتقديم نموذج واضح لمستقبل يعيش فيه البشر خارج الأرض، سواء على القمر أو المريخ، معتمدين على الابتكار التكنولوجي والاستدامة في تصميم مدن فضائية متكاملة قادرة على النمو والتطور بشكل مستقل.

ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال يوم الجمعة، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن شركة سبيس إكس أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية لمهام الوصول إلى القمر أولاً، قبل أن تحاول القيام برحلة مأهولة أو غير مأهولة إلى المريخ لاحقاً، مع استهداف عام 2027 كموعد محتمل للهبوط على القمر بدون طاقم. تأتي هذه التصريحات بعد أن أعلن إيلون ماسك العام الماضي عن هدفه لإرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026، وهو ما يعكس طموحاته المستمرة في مجال استكشاف الفضاء.

تواجه الولايات المتحدة منافسة قوية في هذا العقد من قبل الصين في سباق إعادة البشر إلى القمر، حيث لم تطأ أقدام البشر سطح القمر منذ مهمة أبوللو 17 في عام 1972. ويأتي تركيز سبيس إكس على القمر في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالاستكشاف الفضائي، حيث تعتبر هذه المهمة بمثابة خطوة استراتيجية قبل الانتقال إلى رحلات أكثر طموحاً نحو المريخ.

وتعليقاً على هذه الخطط، وافقت سبيس إكس مؤخراً على الاستحواذ على شركة إكس إيه آي التابعة لها، في صفقة تُقدّر قيمة شركة الصواريخ والأقمار الصناعية بتريليون دولار وقيمة شركة الذكاء الاصطناعي بحوالي 250 مليار دولار. ويرى مؤيدو هذه الخطوة أنها تمثل وسيلة لتعزيز خطط سبيس إكس لبناء مراكز بيانات في الفضاء، وهو ما يراه ماسك أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة بالمراكز التقليدية على الأرض، خصوصاً مع زيادة الطلب على قوة الحوسبة نتيجة التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما تأمل الشركة أن يجمع الطرح العام لأسهمها المخطط له في وقت لاحق من هذا العام ما يصل إلى خمسين مليار دولار، وهو ما قد يجعلها أكبر طرح عام في التاريخ، ما يعكس حجم الطموحات المالية والاستراتيجية للشركة في الوقت نفسه. ورد ماسك على أحد مستخدمي منصة إكس يوم الاثنين، موضحاً أن إيرادات ناسا ستشكل أقل من خمسة بالمئة من إجمالي إيرادات سبيس إكس هذا العام، مما يوضح الاعتماد الكبير للشركة على مشاريعها التجارية الخاصة.

وتعتبر سبيس إكس مقاولاً رئيسياً في برنامج أرتميس القمري التابع لناسا، وفازت بعقد بقيمة أربعة مليارات دولار لإنزال رواد فضاء على سطح القمر باستخدام مركبتها ستارشيب. وأشار ماسك إلى أن الغالبية العظمى من إيرادات الشركة تأتي من نظام ستارلينك التجاري، الذي يمثل محوراً رئيسياً في نموذج أعمالها الحالي.

في الوقت نفسه، يسعى ماسك لتوجيه شركة تسلا المدرجة في البورصة نحو مسارات جديدة، إذ بعد أن ساهمت في بناء سوق السيارات الكهربائية العالمي، تخطط الشركة لإنفاق عشرين مليار دولار هذا العام في جهودها للتحول نحو القيادة الذاتية والروبوتات. وفي خطوة عملية لتعجيل هذا التحول، أعلن ماسك الشهر الماضي أن تسلا ستوقف إنتاج طرازين من سياراتها في مصنع كاليفورنيا، لتوفير المساحة اللازمة لصناعة روبوتها الشبيه بالإنسان المعروف باسم أوبتيموس.

تمثل هذه التحركات استمراراً لاستراتيجية ماسك في الابتكار، حيث يسعى لمزج استكشاف الفضاء مع التكنولوجيا الحديثة في السيارات والذكاء الاصطناعي، مما يعكس رؤية متكاملة تجمع بين الطموح التجاري والطموح الاستكشافي في آن واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى