تقنية

ذكاء اصطناعي

نجحت دراسة علمية سعودية حديثة في تطوير نموذج ذكي من ذكاء اصطناعي مبتكر للكشف عن حالة انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، وهي مشكلة صحية يعاني منها أكثر من مليار شخص حول العالم، وتمثل تحديًا طبيًا كبيرًا لما تسببه من مضاعفات صحية على المدى الطويل إذا لم يتم تشخيصها ومعالجتها بشكل صحيح. وقد ركز الباحثون في هذه الدراسة على استخدام بيانات تخطيط كهربائية القلب أحادي الاتجاه، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، بهدف تحسين كفاءة تشخيص هذا الاضطراب الذي غالبًا ما يمر دون تشخيص دقيق بسبب تعقيد الأعراض وصعوبة رصدها في بعض الحالات.

ذكاء اصطناعي
ذكاء اصطناعي

وأوضحت النتائج المنشورة في دورية “Frontiers in Artificial Intelligence” العلمية المتخصصة، والتي أجرتها الباحثة ملاك المرشد في المركز الجامعي لطب وأبحاث النوم بكلية الطب والمدينة الطبية الجامعية في جامعة الملك سعود، أن النموذج الذي تم تطويره يعتمد على آلية تعلم عميق مبتكرة تُعرف باسم “نموذج تعلم عميق قائم على محولات الانتباه”. ويهدف هذا النموذج إلى تحليل البيانات الخاصة بنبضات القلب بدقة عالية، واكتشاف الأنماط المرتبطة بانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، بما يسمح برصد الحالات بشكل أسرع وأكثر دقة مقارنة بالطرق التقليدية.

وتعتبر تقنية محولات الانتباه من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في معالجة البيانات الكبيرة والمعقدة، حيث تتيح للنموذج التركيز على العناصر الأكثر أهمية في البيانات، ما يزيد من قدرته على التنبؤ والتشخيص بدقة عالية. وبحسب وكالة الأنباء السعودية، فإن تطبيق هذا النوع من النماذج يفتح آفاقًا جديدة في مجال الطب الرقمي، خصوصًا في تشخيص اضطرابات النوم، التي غالبًا ما تتطلب مراقبة طويلة ومعقدة لاكتشاف التغيرات الدقيقة في معدل ضربات القلب والتنفس أثناء النوم.

كما أشارت الدراسة إلى أن الاعتماد على تخطيط كهربائية القلب أحادي الاتجاه في هذا النموذج يمثل ميزة كبيرة، إذ إنه يسهل عملية جمع البيانات بشكل أقل تدخلًا من المراقبات التقليدية التي قد تشمل أجهزة متعددة وأساليب معقدة، مما يجعل التشخيص أكثر راحة للمرضى وأسهل للتطبيق على نطاق واسع. ويمثل هذا التطوير خطوة نوعية نحو دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسات الطبية اليومية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية المقدمة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم، مع إمكانية تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بهذه الحالة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات التركيز واليقظة أثناء النهار.

كما تعكس هذه الدراسة التقدم العلمي الذي تحققه المملكة في مجال البحث الطبي والذكاء الاصطناعي، حيث تجمع بين الخبرة الأكاديمية والتقنيات الحديثة لتقديم حلول مبتكرة لمشاكل صحية عالمية. ويأمل الباحثون في أن يسهم هذا النموذج في تحسين التشخيص المبكر والانتباه المبكر للحالات التي لم تُكتشف بعد، ما يقلل من المضاعفات الصحية ويساهم في تحسين جودة حياة المرضى على المدى الطويل.

ويعد هذا الابتكار مثالًا على الدور الريادي للبحث العلمي السعودي في توظيف التكنولوجيا الحديثة في القطاع الصحي، بما يعكس رؤية المملكة نحو تعزيز القدرات البحثية والابتكارية، ويدعم تطوير أدوات تشخيصية ذكية يمكن الاعتماد عليها عالميًا، لاسيما في مواجهة الأمراض المزمنة والمعقدة مثل اضطرابات النوم.

تُعتبر اضطرابات انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم من المشكلات الصحية الشائعة التي تؤثر على جودة حياة المرضى وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ولتشخيص هذه الحالة، يعتمد الأطباء عادة على تخطيط النوم الكامل، وهو الفحص التقليدي الأكثر دقة، إلا أنه يتسم بعدة قيود عملية. فهو يستغرق وقتًا طويلًا لإجرائه، ويستلزم تحليلًا يدويًا من قِبل مختصين مدربين، كما أنه يرتبط بتكلفة مادية مرتفعة، مما يجعل إجراءه بشكل واسع على نطاق كبير أمراً صعباً وغير عملي في كثير من الحالات.

في المقابل، أظهرت الدراسات الحديثة إمكانية استخدام أدوات فحص بديلة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم تشخيص سريع وموثوق لانقطاع التنفس أثناء النوم. وقد ركزت إحدى هذه الدراسات على تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يعتمد على تقنية المحوّلات، والتي تُستخدم أيضًا في النماذج اللغوية الكبيرة، مع الاكتفاء باستخدام مؤشر حيوي واحد فقط، وهو تخطيط القلب. وقد تم توظيف ترميز موضعي ذكي عبر المرمّز التلقائي، أو ما يُعرف باسم Autoencoder، بهدف معالجة البيانات الخام مباشرة دون الحاجة إلى خطوات معالجة مسبقة معقدة. هذه المقاربة تتيح للنموذج القدرة على التعلم من الإشارات الأولية بشكل أكثر فعالية، مع تقليل الأخطاء التي قد تنتج عن التحليل اليدوي أو عن الضوضاء الموجودة في البيانات.

أظهرت نتائج البحث أن النموذج المقترح يتميز بتفوق واضح على النماذج والأبحاث السابقة، حيث حقق زيادة بنسبة ثلاثة عشر في المائة في درجة F1، وهي مقياس مهم يجمع بين الدقة والاسترجاع في تقييم أداء النموذج. كما أظهرت النتائج قدرة النموذج على اكتشاف حالات انقطاع التنفس بدقة زمنية تصل إلى ثانية واحدة، مما يوفر معلومات دقيقة للغاية حول توقيت وشدة النوبات، وهو ما يمثل ميزة تشخيصية كبيرة للأطباء، ويساعدهم على اتخاذ قرارات علاجية مبنية على بيانات دقيقة وفورية.

علاوة على ذلك، يتميز هذا النموذج بسرعة الفحص مقارنة بتخطيط النوم التقليدي، مما يقلل من الوقت والجهد المطلوبين لإجراء التحاليل، ويخفض التكلفة المالية المرتبطة بالفحص، وهو ما يجعل من الممكن توسيع نطاق استخدامه في المستشفيات والعيادات دون الحاجة إلى تجهيزات باهظة أو كوادر بشرية متخصصة. كما أظهرت التجارب أن النموذج قادر على العمل بكفاءة حتى مع البيانات الحقيقية التي تحتوي على تشويش أو ضوضاء، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في التشخيص التقليدي، حيث يمكن أن تؤثر الإشارات غير المثالية على دقة التحليل اليدوي.

وباختصار، يمثل هذا النموذج نقلة نوعية في مجال تشخيص انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، إذ يجمع بين الدقة العالية، والسرعة في الفحص، والكفاءة في التعامل مع البيانات الواقعية، إلى جانب تخفيض التكاليف المرتبطة بالفحص التقليدي. كما يفتح المجال أمام استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في مجالات طبية أخرى تعتمد على مؤشرات حيوية بسيطة، مع ضمان دقة تشخيصية تنافس الطرق التقليدية المعقدة والمكلفة. ومن المتوقع أن تسهم هذه الابتكارات في تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للمرضى، وتسهيل إجراء الفحوصات على نطاق أوسع، مما يعزز الكشف المبكر عن الحالات الخطرة ويقلل من المضاعفات المرتبطة بانقطاع التنفس أثناء النوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى