الروبوتات
في العام الماضي، أعلنت شركة التكنولوجيا النرويجية الأميركية المعروفة باسم “1X” عن إطلاق منتج جديد أثار اهتمام الكثيرين وأثار الجدل في آن واحد، وهو روبوت فريد من نوعه مصمم للاستخدام المنزلي. وقد وصفته الشركة بأنه أول روبوت بشري مخصص للاستخدام الاستهلاكي على مستوى العالم، ويهدف إلى إحداث تحول كبير في طريقة حياة الأشخاص داخل منازلهم، من خلال تقديم دعم يومي في أداء المهام المنزلية الروتينية.

الروبوت الذي أطلق عليه اسم “نيو” يتميز بمواصفات جسمانية قريبة من الإنسان، حيث يبلغ طوله 168 سنتيمترًا ويزن حوالي ثلاثين كيلوغرامًا فقط، مما يجعله خفيف الوزن نسبيًا مقارنة بحجمه، وسهل الحركة داخل المساحات المنزلية المختلفة. ومن بين السمات البارزة لهذا الروبوت أنه صُمم ليتمكن من أداء مجموعة متنوعة من الأعمال المنزلية التي عادةً ما تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين من قبل أفراد الأسرة.
يعد “نيو” المستخدمين بأنه قادر على أتمتة العديد من الأنشطة المنزلية الشائعة، مثل طي الملابس بعد غسلها وترتيبها بطريقة منظمة، وكذلك ملأ غسالة الصحون وتفريغها عند الانتهاء. كما يمكن للروبوت المساعدة في بعض الأعمال البسيطة الأخرى، مثل تنظيف الأسطح أو ترتيب الغرف، وهو مصمم للتفاعل مع البيئة المحيطة به بطريقة ذكية بحيث يمكنه التنقل بسهولة بين الغرف والأثاث دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر.
وبالرغم من القدرات المتقدمة لهذا الروبوت، فإن سعره المرتفع البالغ عشرين ألف دولار أميركي قد جعل من اقتنائه خيارًا متاحًا بشكل أكبر للأسر أو الأفراد ذوي القدرة المالية العالية، الذين يبحثون عن وسائل لتسهيل الحياة اليومية وتوفير الوقت المستغرق في أداء الأعمال المنزلية. وترى الشركة المنتجة أن الاستثمار في مثل هذا الروبوت يمثل خطوة نحو المستقبل، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورًا أكبر في تحسين نوعية الحياة داخل المنازل وتقليل الضغوط اليومية المرتبطة بالأعمال المنزلية المتكررة.
كما أن إطلاق روبوت “نيو” يسلط الضوء على التقدم الكبير الذي حققته شركات التكنولوجيا في مجال الروبوتات المنزلية، حيث كانت التجارب السابقة تركز غالبًا على الروبوتات الصناعية أو تلك المخصصة للاستخدامات التجارية، بينما يمثل هذا المنتج خطوة جديدة نحو دمج الروبوتات في الحياة اليومية للأفراد بشكل مباشر. ويشير المراقبون إلى أن مثل هذه الروبوتات قد تفتح المجال أمام تطوير تقنيات أكثر تقدمًا، مثل تحسين قدرات الروبوت على التفاعل مع البشر بطريقة طبيعية، وفهم تعليمات متعددة وتحليل المواقف المختلفة داخل المنزل لاتخاذ القرارات المناسبة بشكل مستقل.
بشكل عام، يعتبر روبوت “نيو” مثالًا واضحًا على الاتجاه الحديث في عالم التكنولوجيا الذي يسعى إلى دمج الروبوتات بشكل متزايد في حياة البشر اليومية، وتقديم حلول عملية تسهم في توفير الوقت والجهد، مع رفع مستوى الراحة والمرونة في أداء الأعمال المنزلية. وبينما يراه البعض خطوة ثورية نحو المستقبل، يظل السؤال حول مدى قدرة الروبوت على تحقيق وعوده العملية في الحياة اليومية الواقعية محل متابعة واهتمام من قبل الخبراء والمستهلكين على حد سواء.
باختصار، يمثل هذا الابتكار نوعًا جديدًا من الروبوتات الاستهلاكية التي تسعى إلى إحداث نقلة نوعية في طريقة إدارة المنزل، ويمثل تجربة واعدة في استكشاف الإمكانيات المستقبلية للتكنولوجيا في تحسين جودة الحياة داخل المنازل.
نيو ونظام الذكاء الاصطناعي المدمج
يحتوي روبوت “نيو” على نظام ذكاء اصطناعي مدمج، لكن عند مواجهة المهام المعقدة، يحتاج الروبوت إلى تدخل موظف بشري من شركة “1X” يرتدي خوذة الواقع الافتراضي للتحكم به عن بُعد. يستطيع المشغل رؤية كل ما يقوم به الروبوت داخل المنزل، كما تُسجَّل العملية لاستخدامها في التعلم المستقبلي، وفقًا لتقرير موقع “ذا كونفرزيشن”،
من المتوقع أن يتم طرح روبوتات منزلية أخرى في الأسواق هذا العام، لكن “نيو” يكشف المشكلات الحالية، التي ستكون مألوفة لأي شخص تابع طفرة الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة: منتجات تم إطلاقها بضجة كبيرة لكنها محدودة القدرات، مخاطر خفية على الخصوصية، وعاملون بشريون عن بُعد يعملون خلف الكواليس دون أن يلاحظهم أحد.
حلم الروبوتات البشرية
لطالما ظهرت الآلات المصممة بشكل بشري في الأساطير والتاريخ منذ آلاف السنين، لكن فكرة أن تصبح منتجات استهلاكية عملية وواقعية هي فكرة أحدث نسبيًا. ورغم ذلك، فإن أكثر من خمسين شركة حول العالم تعمل على تطوير هذا النوع من الروبوتات.
ويعود السبب في موجة الاهتمام الحالية إلى التحسينات الأخيرة في المكونات المادية مثل البطاريات والمحركات وأجهزة الاستشعار، والتي استفادت كثيرًا من ازدهار صناعة السيارات الكهربائية. وفي الوقت نفسه، أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتحكم بهذه المكونات أكثر كفاءة.
لا تزال هناك عقبات
رغم التقدم التقني الكبير، لا تزال الروبوتات غير قادرة على أداء المهام اليومية في المنازل أو المستشفيات أو البيئات غير المتحكم بها.
بينما أصبحت الروبوتات المتخصصة، مثل المكانس الكهربائية، مألوفة، يشير الواقع إلى أن منازل البشر ليست مصممة لاستيعاب الروبوتات. وفي العديد من المهام الدقيقة، مثل طي الغسيل، تحقق الآلات المتخصصة أداء أفضل بكثير.
ولتطوير قدرات الروبوتات، تحتاج إلى جمع بيانات واقعية كثيرة، وأفضل طريقة لذلك هي وضع هذه الروبوتات للعمل في منازل حقيقية، وهو ما يشمل جمع معلومات شخصية وحساسة، مما يثير مخاوف كبيرة حول الخصوصية.
وفي الوقت الحالي، لا تزال هناك حاجة لتدخل البشر عن بُعد. ويعد العمل عن بُعد في قطاع التكنولوجيا ظاهرة متنامية قد تؤدي إلى زيادة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وتؤثر سلبًا على العاملين في الدول النامية الذين يعملون لساعات طويلة بأجور منخفضة، وغالبًا ما يتعرضون لمحتوى مزعج.
استخدامات أخرى للروبوتات البشرية
وفقًا للاتحاد الدولي للروبوتات، قد يستغرق الأمر نحو عشرين عامًا قبل أن تصبح الروبوتات المنزلية مفيدة ومقبولة على نطاق واسع.
لكن هناك دوافع أخرى وراء صناعة روبوتات بشرية الشكل. فقد ظل الباحث الياباني هيروشي إشيغورو يصنع روبوتات شبيهة بالبشر لعقود، لأسباب فلسفية بحتة.
وقال إشيغورو: “دوافعي لصنع الروبوتات الشبيهة بالبشر تنبع من اهتمامي بفهم ما الذي يجعلنا بشراً، وماذا يعني أن تكون إنسانًا”.
من هذا المنظور، يمكن للروبوتات البشرية الشكل أن تخدم البحث الفلسفي في طبيعة الهوية الإنسانية، بدلًا من التركيز فقط على تسهيل الحياة أو تحقيق الأرباح.
ماذا يخبئ المستقبل؟
من المتوقع أن تتطور الروبوتات البشرية الشكل بشكل ملحوظ مع دمج نماذج لغوية كبيرة وأنظمة ذكاء اصطناعي توليدية.
على المدى الطويل، ستتحسن مهارات الروبوتات اليدوية، والتنقل، والتعلم، والاستقلالية، لكن ذلك سيتطلب سنوات من البحث والاستثمار. ولن تتوافر هذه الروبوتات على الفور كمنتجات تجارية فعالة ومقنعة.
كما أن المخاوف المتعلقة بالعمل عن بُعد قد تقل تدريجيًا، بعد إعلان شركة “1X” عن تحديث برمجي يقلل الحاجة لتدخل البشر خلف الكواليس.
ومع ذلك، تبقى المخاوف المتعلقة بالخصوصية قائمة. فوجود روبوت متطور في المنزل يعني جمع بيانات شخصية حساسة، مما يفتح المجال لاستغلالها أو عمليات اختراق محتملة.
رغم هذه التحديات، ستستمر الروبوتات البشرية في إلهام العلماء والمهندسين والمصممين، وستعود بالنفع على البشر، لكن يجب التفكير مليًا قبل السماح لها بأداء المهام اليومية في منازلنا.




