الذكاء الاصطناعي
دخل السباق حول تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين مرحلة جديدة وغير مسبوقة من المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى، بحيث لم يعد الهدف مجرد تطوير نماذج متقدمة، بل أصبح جذب المستخدمين وزيادة قاعدة العملاء جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية. في هذا السياق، بدأت شركات صينية بارزة مثل علي بابا وتينسنت وبايدو في تقديم حوافز غير تقليدية لمستخدمي روبوتات الدردشة والذكاء الاصطناعي، تصل أحيانًا إلى منح أموال حقيقية وهواتف ذكية من طراز آيفون وأجهزة تلفاز، في محاولة لجذب الانتباه قبل طرح نماذجها الجديدة في السوق.

ويشير تقرير نشره موقع “Techxplore”، نقلاً عن وكالة “فرانس برس”، إلى أن هذه الخطوة تمثل تحولًا في طريقة تسويق شركات التكنولوجيا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصين. فقد أصبح المستخدمون ليسوا مجرد مستهلكين، بل شركاء محتملين في تجربة هذه التقنيات، بما يعني أن المنافسة لم تعد على المستوى التقني فقط، بل أصبحت أيضًا على مستوى التسويق الذكي وتحفيز التفاعل المباشر مع التطبيقات.
من أبرز الوسائل التي اعتمدتها الشركات الصينية في هذا السياق تقديم ما يُعرف باسم “المظاريف الحمراء الرقمية”، وهي عادة صينية متجذرة في الثقافة المحلية تُستخدم لتقديم الهدايا النقدية في المناسبات والأعياد. تعتمد هذه الطريقة على تقديم مكافآت رقمية مباشرة للمستخدمين عند التفاعل مع التطبيقات، سواء كان ذلك عبر استخدام ميزات محددة أو المشاركة في تحديات أو مسابقات متعلقة بالذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه المبادرة إلى جعل تجربة استخدام التطبيقات أكثر جاذبية، وتحفيز الناس على تبني هذه التكنولوجيا بشكل أسرع، بما يعزز من مكانة الشركات أمام منافسيها في السوق المحلي والعالمي على حد سواء.
وفي هذا الإطار، أعلنت شركة علي بابا عن تخصيص ميزانية ضخمة بلغت ثلاثة مليارات يوان صيني، أي ما يقارب 430 مليون دولار أمريكي، لتوزيعها على مستخدمي تطبيق الذكاء الاصطناعي الخاص بها المعروف باسم Qwen. ومن المقرر أن تبدأ هذه الحملة الترويجية في السادس من فبراير عام 2026، بالتزامن مع احتفالات رأس السنة الصينية، وهو توقيت ذكي يضمن أقصى قدر من التفاعل والمشاركة من الجمهور. وبحسب توقعات الشركة، فإن هذا الأسلوب سيزيد من قاعدة مستخدمي التطبيق بشكل ملحوظ، ويعزز من الوعي بالتطبيق الجديد قبل إطلاقه الرسمي على نطاق أوسع.
من جانبها، تتبع شركات أخرى مثل تينسنت وبايدو أساليب مماثلة، حيث تقدم مكافآت وهدايا للمستخدمين الذين يتفاعلون مع برامجها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مع التركيز على خلق تجربة ممتعة وتفاعلية تحفز المستخدم على العودة واستخدام التطبيقات بشكل متكرر. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي هذه الشركات لمواكبة التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا، خصوصًا مع ظهور منافسين دوليين يسعون أيضًا للسيطرة على أسواق الذكاء الاصطناعي المستقبلية.
يشير المراقبون إلى أن هذه المنافسة الشديدة قد تدفع الشركات إلى ابتكار أساليب تسويقية أكثر جرأة في المستقبل، وربما تشمل مزيدًا من المكافآت الرقمية أو تعزيز تكامل التطبيقات مع الحياة اليومية للمستخدمين، بما يجعل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الروتين اليومي. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الصين تشهد اليوم مرحلة جديدة من سباق التكنولوجيا، حيث أصبح الابتكار ليس فقط في التقنية نفسها، بل أيضًا في كيفية جذب الناس وجعلهم جزءًا من رحلة التطوير والتجربة التكنولوجية.
استعداد لمواجهة الذكاء الاصطناعي المقبلة
المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي لن تتوقف عند “علي بابا”، إذ تستعد “تينسنت” لإطلاق حملة مشابهة بميزانية تصل إلى مليار يوان، مع جوائز كبرى قد تصل قيمتها إلى حوالي عشرة آلاف يوان لكل فائز.
أما “بايدو”، فقد قررت توزيع 500 مليون يوان، ليس فقط نقدًا، بل أيضًا على شكل أجهزة مثل هواتف آيفون وأجهزة تلفزيون.
للحصول على هذه الجوائز، يكفي للمستخدمين التسجيل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعنية والتفاعل معها خلال فترة الحملة، سواء عبر طرح أسئلة معقدة أو التخطيط للرحلات أو الاستخدامات اليومية الأخرى.
تهدف هذه الخطوة من الشركات الصينية إلى زيادة عدد المستخدمين النشطين قبل إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا لاحقًا هذا الشهر. لكن حجم الإنفاق، الذي يقترب من 4.5 مليار يوان، يشير إلى أن الهدف يتجاوز الحملات التسويقية قصيرة الأمد.
“أبل” تراقب المشهد عن كثب
مع تسارع إطلاق النماذج المتقدمة، دخلت الشركات الصينية في منافسة مباشرة مع لاعبين عالميين مثل “غوغل” و”OpenAI”.
وتؤكد “علي بابا”، على سبيل المثال، أن نموذجها Qwen3-Max-Thinking يتفوق على نموذج Gemini 3 من “غوغل” في قدرات الاستدلال المنطقي.
وفي خلفية هذا الصراع، تبدو شركة أبل مستفيدة محتملة.
فالشركة الأميركية غير قادرة على استخدام تقنيات “غوغل” للذكاء الاصطناعي داخل الصين، ما يدفعها للبحث عن شريك محلي لتشغيل ميزات Apple Intelligence المتقدمة، بما في ذلك النسخة المطورة من المساعد الصوتي Siri.
وأشار تقرير سابق لوكالة “بلومبرغ” في فبراير 2025 إلى احتمال اعتماد “أبل” على تقنيات الذكاء الاصطناعي من “علي بابا” داخل السوق الصينية، إلا أن الشركة لم تؤكد ذلك رسميًا حتى الآن.
وفي حال اتخذت “أبل” قرارها، من المتوقع أن تعلن عن الشريك الصيني الذي سيتولى تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، سواء للمستخدمين أو للمستثمرين.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن سباق الذكاء الاصطناعي في الصين لم يعد مجرد منافسة تقنية، بل تحوّل إلى معركة لجذب المستخدمين بأي ثمن، حتى لو كان ذلك يعني توزيع ملايين الدولارات والهواتف الذكية.




