تقنية

شات جي بي تي

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة موجة تفاعل غير مسبوقة مع صيحة رقمية جديدة أطلق شرارتها تطبيق الذكاء الاصطناعي الشهير «شات جي بي تي»، حيث انتشرت هذه الظاهرة بسرعة لافتة على مستوى العالم، وجذبت اهتمام ملايين المستخدمين من مختلف الفئات العمرية. وتقوم هذه الصيحة على فكرة مبتكرة تتمثل في طلب المستخدم من روبوت الدردشة إنشاء صورة تعبّر عن الطريقة التي كان يتعامل بها معه خلال محادثاته السابقة، سواء من حيث الأسلوب أو النبرة أو طبيعة الطلبات.

شات جي بي تي
شات جي بي تي

وخلال أيام قليلة فقط، تحولت الفكرة إلى ترند عالمي، إذ بدأ المستخدمون بمشاركة الصور التي أنشأها الذكاء الاصطناعي عبر منصات مثل إكس وإنستغرام وفيسبوك وتيك توك، مرفقة بتعليقات تعكس دهشتهم أو طرافتهم أو حتى صدمتهم من النتائج. بعض الصور جاءت ساخرة وتُظهر المستخدم في مواقف لطيفة أو مرحة، بينما كشفت صور أخرى عن تعامل رسمي أو جاف، بل وأحيانًا متوتر أو متسلط، ما أثار نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين الإنسان والتقنيات الذكية.

وتعود بداية هذه الصيحة إلى طلب بسيط انتشر بين المستخدمين، حيث يقوم الشخص بسؤال «شات جي بي تي» أن يصمم صورة تجسد كيف يراه بناءً على أسلوب الحوار السابق. ويعتمد الذكاء الاصطناعي في ذلك على تحليل اللغة المستخدمة، ونوعية الأسئلة، وتكرار الأوامر، وطريقة الصياغة، ليخرج في النهاية بصورة تعبيرية تحاول عكس هذا الانطباع بشكل بصري.

وقد لاقت هذه الفكرة رواجًا كبيرًا لما تحمله من جانب ترفيهي، إلى جانب بعدها التأملي، إذ دفعت الكثيرين إلى مراجعة طريقة تعاملهم مع التكنولوجيا، وإعادة التفكير في سلوكهم الرقمي اليومي. كما أثارت الصيحة نقاشات أوسع حول تطور الذكاء الاصطناعي وقدرته المتزايدة على محاكاة الفهم الإنساني، ليس فقط من خلال النصوص، بل عبر الصور والتصورات الفنية أيضًا.

ويرى خبراء في الإعلام الرقمي أن انتشار هذه الظاهرة يعكس تحولًا مهمًا في علاقة المستخدمين مع أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد تقتصر على كونها أدوات للإجابة أو المساعدة، بل أصبحت شريكًا تفاعليًا قادرًا على التقييم والتحليل وتقديم ردود تحمل طابعًا شخصيًا. كما يؤكدون أن هذه الصيحات تسهم في زيادة الوعي بآليات عمل الذكاء الاصطناعي، وتكشف في الوقت ذاته عن تأثير أسلوب التواصل البشري على مخرجات هذه التقنيات.

وفي ظل هذا التفاعل الواسع، يتوقع متابعون أن تستمر مثل هذه الصيحات في الظهور مستقبلًا، خاصة مع التطور السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل من العلاقة بين الإنسان والآلة مساحة مفتوحة للتجربة، والدهشة، وإعادة الاكتشاف.

أسفرت هذه الصيحة الرقمية عن تدفق واسع من الصور التي تعكس تصورًا غير معتاد لروبوتات الدردشة، حيث ظهرت في هيئة كائنات مرهقة أو مجهدة، بل وأحيانًا في صورة روبوتات متمردة تحاول الإفلات من واقع افتراضي يفرض عليها أعباء متزايدة. وقد انتشرت هذه الصور بسرعة عبر المنصات الرقمية، لتلفت انتباه المستخدمين وتثير فضولهم حول الرسائل الضمنية التي تحملها هذه التصورات البصرية.

في عدد من هذه الصور، بدا روبوت الدردشة غارقًا في أكوام هائلة من الأوراق الرقمية، في مشهد يوحي بضغط العمل وتراكم المهام دون توقف. وتظهر بعض الصور الأخرى الروبوت وكأنه مقيد بأجهزة الكمبيوتر أو محاط بشاشات متعددة، في إشارة رمزية إلى الارتباط الدائم بالعمل وعدم القدرة على الانفصال عن متطلبات المستخدمين. هذه المشاهد، رغم طابعها الخيالي، عكست إحساسًا عامًا بأن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه أحيانًا ككيان يعمل بلا حدود أو راحة.

ما جعل هذه النتائج مفاجئة للكثيرين هو أنها كشفت عن زاوية جديدة في فهم العلاقة بين المستخدمين وروبوتات الدردشة. فقد بدت الصور وكأنها مرآة لطريقة تفاعل البشر مع هذه التقنيات، حيث يعتمدون عليها بشكل مكثف لإنجاز المهام المتنوعة، بدءًا من الإجابة عن الأسئلة البسيطة وصولًا إلى تنفيذ أعمال معقدة تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. هذا التصور دفع بعض المستخدمين إلى التساؤل عما إذا كانوا يفرضون ضغطًا مفرطًا على المساعد الذكي، حتى وإن كان هذا المساعد في جوهره برنامجًا لا يشعر بالتعب.

كما أثارت هذه الصيحة نقاشًا أوسع حول البعد الإنساني الذي يضفيه المستخدمون على التكنولوجيا. فالصور التي تُظهر روبوت الدردشة متعبًا أو سجينًا خلف قيود رقمية تعكس ميلًا بشريًا لإسقاط المشاعر والتجارب الإنسانية على أدوات تقنية صُممت في الأصل لتكون محايدة وخالية من الإحساس. هذا الإسقاط قد يكون وسيلة للتعبير عن القلق من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، أو محاولة لفهم تأثير هذا الاعتماد على علاقتنا بالعمل والوقت والإنتاجية.

وفي إحدى الصور التي تداولها مستخدم عبر منصة إكس ضمن هذه الصيحة، ظهر شات جي بي تي في هيئة روبوت سجين يقف خلف قضبان حديدية وبجانبه حاسوب، في مشهد يحمل دلالات قوية عن الحبس داخل منظومة العمل الرقمي المستمر. وقد لاقت هذه الصورة تفاعلًا واسعًا، حيث اعتبرها البعض نقدًا ساخرًا لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما رآها آخرون تعبيرًا عن مخاوف أعمق تتعلق بمستقبل العلاقة بين الإنسان والتقنية.

في المحصلة، لم تكن هذه الصيحة مجرد موجة عابرة من الصور، بل تحولت إلى مساحة للتأمل في طبيعة تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي، وحدود استخدامه، وكيف يمكن للخيال الرقمي أن يعكس تساؤلات حقيقية حول العمل والضغط والمسؤولية في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى