تقنية

شبكات VPN

لم تعد الشبكات الافتراضية الخاصة المعروفة باسم VPN تقتصر على كونها أدوات أمنية متخصصة تستخدمها فئات محدودة من الخبراء أو المؤسسات التقنية الكبرى، بل أصبحت اليوم جزءا أساسيا من البنية الرقمية لأي شركة تعتمد على العمل المتصل بالإنترنت. فمع انتشار نماذج العمل عن بعد وتعدد الفروع والمكاتب، بات من الطبيعي أن تمتلك كل مؤسسة حلا يتيح لموظفيها الوصول الآمن إلى أنظمتها الداخلية من أي مكان في العالم. ولم يعد الأمر رفاهية تقنية أو خيارا إضافيا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الأعمال الحديثة التي تعتمد على تبادل البيانات الحساسة عبر الشبكات العامة.

شبكات VPN
شبكات VPN

وعلى المستوى الشخصي أيضا، لم يعد استخدام VPN مقتصرا على المتخصصين في الأمن السيبراني، بل أصبح أداة ينبغي أن تتوافر ضمن مجموعة أدوات الحماية الرقمية لأي مستخدم عادي. فكما نحرص على تثبيت برامج مكافحة الفيروسات وتحديث أنظمة التشغيل بانتظام، من المهم كذلك أن يكون لدينا اتصال مشفر يمكن تفعيله عند الحاجة. ويبرز ذلك بشكل خاص أثناء السفر، حيث يضطر الكثيرون إلى استخدام شبكات واي فاي عامة في المطارات والفنادق والمقاهي. هذه الشبكات، رغم سهولة الوصول إليها، قد تشكل بيئة خصبة لمحاولات التجسس وسرقة البيانات إذا لم تكن محمية بشكل كاف.

حتى في المنزل، قد يظن البعض أن شبكة الإنترنت الخاصة بهم آمنة بالكامل، لكن الواقع يشير إلى أن أي بيانات تنتقل عبر الشبكة يمكن أن تكون عرضة للرصد أو التحليل من قبل أطراف مختلفة. فعندما تتصفح المواقع أو تستخدم التطبيقات أو ترسل الرسائل عبر اتصالك المنزلي، فإن هذه البيانات تمر عبر مزود خدمة الإنترنت، الذي يستطيع من الناحية التقنية رؤية الكثير من تفاصيل نشاطك الرقمي. كما يمكن للمعلنين وشركات التحليل الرقمي وأدوات التتبع المدمجة في المواقع والتطبيقات جمع معلومات حول سلوكك على الإنترنت، وبناء ملفات تعريفية دقيقة عن اهتماماتك وعاداتك.

ولا يقتصر الأمر على الجهات التجارية فحسب، بل يشمل أيضا المتطفلين ذوي النوايا الخبيثة الذين قد يسعون إلى استغلال الثغرات الأمنية للوصول إلى معلومات حساسة، مثل كلمات المرور أو البيانات المصرفية أو المراسلات الخاصة. وفي حال تمكن شخص ما من الوصول إلى الشبكة نفسها، سواء كانت شبكة عامة أو حتى شبكة خاصة مؤمنة بشكل ضعيف، فقد يتمكن من مراقبة جزء من حركة البيانات أو محاولة اعتراضها.

هنا يأتي دور الشبكات الافتراضية الخاصة، إذ تعمل على إنشاء نفق مشفر بين جهاز المستخدم والخادم البعيد، ما يجعل البيانات المرسلة والمستقبلة غير قابلة للقراءة بالنسبة لأي طرف يحاول اعتراضها. وبدلا من أن يظهر نشاطك الرقمي على أنه صادر مباشرة من شبكتك المحلية، يتم توجيهه عبر خادم وسيط يوفر طبقة إضافية من الخصوصية. وبهذا تقل فرص تتبع نشاطك أو ربطه بهويتك الحقيقية بسهولة.

إن إدراج VPN ضمن أدواتك الأمنية الشخصية لم يعد خيارا ثانويا، بل خطوة واعية نحو تعزيز خصوصيتك الرقمية في عالم تتزايد فيه المخاطر السيبرانية يوما بعد يوم. سواء كنت تعمل عن بعد، أو تتصفح الإنترنت من منزلك، أو تستخدم شبكة عامة أثناء تنقلك، فإن وجود وسيلة تشفير موثوقة يمكن أن يشكل فارقا حقيقيا في حماية بياناتك من أعين المتطفلين.

لكن عند الاتصال بشبكة “VPN”، تتحول هذه البيانات القابلة للقراءة إلى رموز غير مفهومة عبر عملية تُعرف بالتشفير

هل تجعلك شبكات VPN مجهول الهوية على الإنترنت؟

من الصعب للغاية تحقيق إخفاء هوية كامل بنسبة 100% على الإنترنت، إذ يظل هناك دائمًا أثر لبياناتك لدى جهة ما طالما أنك متصل بمزوّد خدمة الإنترنت.

مع ذلك، تجعل شبكة “VPN” تتبّع تحركاتك وموقعك ونشاطك أكثر صعوبة بدرجة كبيرة.

فعلى سبيل المثال، يعرف مزود خدمة الإنترنت كل ما تقوم به عبر الشبكة، بدءًا من المواقع التي تزورها وصولًا إلى الملفات التي تنزّلها، دون وجود خصوصية فعلية.

ومن الشائع أن يقوم مزودو خدمة الإنترنت بجمع بيانات المستخدمين وبيعها، وهي ممارسة ليست سرية، حتى وإن لم يتم التصريح بها بوضوح، إذ غالبًا ما تكون مذكورة ضمن سياسة الخصوصية عند الاشتراك.

هنا يأتي دور شبكة “VPN”، حيث تساهم في إيقاف تدفق هذه البيانات واستعادة قدر من الخصوصية. ورغم أنها لا تمنع جمع كل المعلومات، فإنها تقلل بشكل كبير من البيانات التي يمكن لمزود الخدمة الاطلاع عليها، فلا يتمكن من رؤية تفاصيل نشاطك على الإنترنت.

ومع ذلك، يظل بإمكان مزود الخدمة معرفة حجم البيانات التي تستهلكها، وتوقيت استخدامها، إضافة إلى أي معلومات شخصية قدمتها عند التسجيل.

وبعيدًا عن مزود الإنترنت، تجعل شبكات “VPN” من الصعب أيضًا على المعلنين تتبع نشاطك، إذ يعتمد كثير منهم على البيانات المرتبطة بعنوان “IP” لعرض إعلانات موجهة ومراقبة سلوك التصفح.

تعمل شبكة “VPN” على إخفاء مصدر هذه البيانات من خلال إظهار حركة المرور وكأنها صادرة من موقع مختلف. ومع ذلك، تبقى لدى المعلنين وسائل أخرى للتتبع لا تستطيع “VPN” منعها بالكامل.

كما يمكن للمواقع والمعلنين التعرف عليك عبر خصائص تقنية مميزة مثل إصدار المتصفح، وحجم الشاشة، وغيرها. ورغم أن هذه البيانات تبدو غير مهمة منفردة، فإنها تُستخدم لتكوين ملف تعريفي عن المستخدم فيما يُعرف ببصمة المتصفح. ويساهم إخفاء عنوان “IP” في جعل تحديد هذه البصمة أكثر صعوبة.

ورغم وجود وسائل أخرى لتتبع بياناتك، تبقى شبكة “VPN” وسيلة فعالة لتعزيز خصوصيتك.

هل تحمي شبكات VPN من البرمجيات الخبيثة؟

لا توفر شبكات “VPN” حماية مباشرة لجهازك أو لبياناتك من البرمجيات الخبيثة. بعض الخدمات تقدم ميزات محدودة مثل اكتشاف الملفات الضارة أو حجب الإعلانات، إلا أن الحلول الأكثر كفاءة تكون عادة عبر برامج مكافحة الفيروسات المتخصصة.

وقد أصبح من المعتاد أن تُطرح خدمات “VPN” ضمن باقات أمان متكاملة تشمل مكافحة الفيروسات، وإدارة كلمات المرور، وأحيانًا أدوات للحماية من سرقة الهوية.

فعلى سبيل المثال، تقدم خدمة “Surfshark One” مزيجًا من مكافحة الفيروسات وخدمة “VPN”، كما تتضمن بعض خطط “NordVPN” المتقدمة ميزات للحماية من التهديدات.

هل تحتاج إلى استخدام شبكة VPN؟

تُعد شبكات “VPN” أداة مفيدة لحماية بياناتك وتعزيز خصوصيتك على الإنترنت. ورغم أنها ليست الحل السحري كما قد يُروَّج لها، فإنها تسد فجوة مهمة ضمن منظومة الحماية الرقمية.

فهي لا تُخفي وجودك على الإنترنت بشكل كامل، لكنها تحمي جانبًا كبيرًا من بياناتك من الوصول إلى مزود خدمة الإنترنت، والمعلنين، والمتطفلين.

ونظرًا لأن شبكات “VPN” لا تمنع البرمجيات الخبيثة، ولا تتصدى للهجمات المعقدة، ولا توقف التتبع الإعلاني بشكل تام، فمن الأفضل استخدامها إلى جانب برنامج قوي لمكافحة الفيروسات، ومدير كلمات مرور، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، ضمن استراتيجية أمن رقمي متكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى