تقنية

الذكاء الاصطناعي

يمكن للصوت البشري أن يحمل معلومات أكثر مما يتصور معظم الناس. فقط من خلال سماع طريقة تحدث شخص ما، يمكن للمرء أن يكوّن فكرة عن مستواه التعليمي، ونوع خبراته، وحالته النفسية، وحتى مهنته ووضعه المالي. الصوت ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو مرآة دقيقة تعكس جوانب كثيرة من شخصية الإنسان وحياته. فالنبرة، والإيقاع، وسرعة الكلام، ودرجة الحدة، أو حتى التوقفات بين الكلمات، كل هذه العناصر تشكل مؤشرات يمكن أن يلتقطها المستمع البشري لتكوين تصور أولي عن الشخص المتحدث.

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

على سبيل المثال، يمكن سماع علامات التوتر أو القلق في صوت شخص ما من خلال الترددات الصوتية أو سرعة الكلام. كما يمكن ملاحظة السعادة أو الاسترخاء في طريقة النطق والنبرة. حتى مستوى الثقة بالنفس يظهر أحيانًا من خلال حدة الصوت وقوة الإلقاء. البشر بطبيعتهم حساسون لهذه العلامات، وغالبًا ما يستخدمونها لتفسير المزاج أو الحالة النفسية للآخرين، وحتى لتكوين حكم أولي عن خبراتهم أو خلفيتهم.

لكن التكنولوجيا الحديثة دخلت على خط هذا التحليل الصوتي، لتفتح آفاقًا أوسع بكثير. فأجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي أصبح بإمكانها تحليل الصوت بدقة أكبر وسرعة أعلى بكثير من البشر. هذه الأنظمة لا تكتفي بما يمكن سماعه أو ملاحظته بوضوح، بل تستطيع استخراج مؤشرات دقيقة لا يمكن للعين البشرية أو الأذن إدراكها بسهولة. فهي قادرة على تحديد نمط الكلام، وتفسير الترددات الصوتية الدقيقة، وتحليل سرعة الكلام والتوقفات، وربط كل ذلك بمجموعة واسعة من البيانات التي يمكن أن تعكس التعليم، والمهنة، والدخل، وحتى بعض السمات الشخصية العميقة.

لكن هذه القدرة الهائلة تأتي مع مخاطر واضحة. فالعلماء يلفتون الآن إلى أن تقنية تحويل الصوت إلى نص وتحليل المعلومات المترتبة عليه يمكن أن تُستغل لأغراض ضارة. على سبيل المثال، يمكن استخدام هذه التكنولوجيا في التلاعب بالأسعار من خلال استهداف الأشخاص استنادًا إلى مؤشرات مالية أو اجتماعية يتم استخراجها من أصواتهم. كذلك، قد تُستخدم في التصنيف غير العادل للأفراد في أماكن العمل أو الخدمات، أو في عمليات التعقب والمراقبة التي تنتهك الخصوصية. هناك أيضًا خطر استخدامها في التحرش أو استغلال المشاعر والنوايا بطريقة غير أخلاقية، بما يجعل من الصوت أداة لاكتساب معلومات حساسة عن الآخرين بشكل يمكن أن يضر بهم.

على الرغم من أن البشر قادرون على التعرف على بعض الإشارات العاطفية أو النفسية بسهولة، مثل التعب أو العصبية أو السعادة، فإن الأجهزة يمكنها أن تفعل الشيء نفسه على نطاق أوسع وأكثر دقة. ما يعني أن الصوت لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح مصدرًا غنيًا للمعلومات يمكن أن يكون له تأثيرات كبيرة على الخصوصية والأمان الشخصي والاجتماعي. لذلك، من المهم أن يكون هناك وعي أكبر بالمخاطر، وأن يتم وضع ضوابط وقوانين تحمي الأفراد من أي استغلال غير أخلاقي لمعلوماتهم الصوتية.

الصوت البشري يحمل أكثر من مجرد الكلمات، فهو مرآة للحالة النفسية، والمؤهلات، والخبرات، وحتى الوضع الاقتصادي. ومع التطور التكنولوجي، أصبح من الممكن استخدام هذه المؤشرات لأغراض إيجابية، مثل تحسين خدمات الرعاية النفسية أو تطوير أدوات تعليمية، لكنه في نفس الوقت يفرض مسؤولية كبيرة لضمان ألا يُساء استغلال هذه القوة. يجب على المجتمع العلمي والمجتمع المدني والحكومات العمل معًا لضمان أن تبقى هذه التكنولوجيا أداة مساعدة وليست أداة انتهاك أو تمييز.

تدعي دراسة جديدة أن أنماط النبرة واختيار الكلمات يمكن أن تكشف معلومات حساسة عن الشخص، بدءًا من ميوله السياسية وحتى حالته الصحية

تسلط الدراسة، التي نُشرت في 19 نوفمبر 2025 في دورية “Proceedings of the IEEE”، الضوء على مخاوف كبيرة تتعلق بخصوصية الأفراد واحتمالية استخدام هذه التقنية بشكل غير عادل.

رغم الفوائد المحتملة لتقنيات معالجة الصوت والتعرف عليه، يرى توم باكستروم، الأستاذ المشارك في قسم تقنيات الكلام واللغة بجامعة آلتو والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن هناك مخاطر كبيرة محتملة.

فعلى سبيل المثال، إذا تمكنت شركة من استنتاج وضعك الاقتصادي أو احتياجاتك المالية من صوتك، فقد يؤدي ذلك إلى ممارسات تمييزية مثل فرض أقساط تأمين أعلى على بعض الأشخاص.

كما أن الأصوات قد تكشف معلومات حساسة مثل الضعف العاطفي أو الجنس، مما يمكّن المجرمين الإلكترونيين أو المطاردين من تتبع الضحايا عبر المنصات الرقمية، وبالتالي تعريضهم للابتزاز أو التحرش. كل هذه المعلومات ننقلها بشكل غير واعٍ عند التحدث، ويستجيب لها المستمع قبل أي تحليل واعٍ.

قالت جينالين بونراج، مؤسسة شركة ديلاير ومتخصصة في مستقبلية تنظيم الجهاز العصبي البشري في ظل التقنيات الناشئة، لموقع “لايف ساينس”: “يُعطى اهتمام ضئيل لفسيولوجيا الاستماع. في أوقات الأزمات، يستجيب الناس لنبرة الصوت والإيقاع والتنغيم والتنفس قبل أي معالجة للغة نفسها”.

انتبه لنبرة صوتك

أوضح باكستروم لموقع “لايف ساينس” أن هذه التقنية لم تُستخدم على نطاق واسع بعد، لكنها بدأت تظهر بوادرها.

وأضاف: “يُناقش الآن الكشف التلقائي عن الغضب والسلوك السام في ألعاب الإنترنت ومراكز الاتصال، وهي تطبيقات مفيدة أخلاقيًا”، مضيفًا: “لكن زيادة استخدام واجهات التفاعل الصوتي مع العملاء، بحيث يُحاكي الرد الآلي أسلوب العميل، يفتح المجال لأهداف أكثر إثارة للقلق أخلاقيًا وربما ضارة”.

وأشار إلى أنه لم يسمع بعد عن أي استخدام غير قانوني لهذه التقنية، لكنه لم يستبعد إمكانية حدوثه، فقد يكون السبب ببساطة أننا لم نبحث بعد.

وأضاف أن أصواتنا موجودة في كل مكان: من الرسائل الصوتية اليومية إلى المكالمات المسجلة لأغراض التدريب وخدمة العملاء، ما يترك أثرًا رقميًا يعادل بصمتنا الرقمية الأخرى على الإنترنت.

وتساءل باكستروم: إذا اكتشفت شركات التأمين أنها تستطيع زيادة أرباحها من خلال تحليل أصوات العملاء لتسعير التغطية بشكل انتقائي، فما الذي يمنعها من القيام بذلك؟

وشدد على أهمية توعية الجمهور بالمخاطر المحتملة، محذرًا: “إلا إذا فهم الناس المخاطر، فإن الشركات الكبرى والدول المراقبة ستكون قد انتصرت بالفعل”. واختتم حديثه قائلاً: “قد يبدو هذا متشائمًا، لكنني أختار أن أكون متفائلًا بأنني أستطيع فعل شيء حيال ذلك”.

تحمي صوتك

لحسن الحظ، توجد أساليب هندسية تساعد الأشخاص على حماية أنفسهم. الخطوة الأولى هي معرفة ما تكشفه أصواتنا بدقة. كما أشار باكستروم، من الصعب بناء أدوات حماية دون فهم كامل لما يجب حمايته.

وقد أدت هذه الفكرة إلى إنشاء مجموعة “Security And Privacy In Speech Communication Interest Group”، التي توفر منتدى متعدد التخصصات لدراسة الكلام وقياس كمية المعلومات التي يمكن استخلاصها منه.

ومن خلال هذه الدراسات، يصبح بالإمكان نقل المعلومات الضرورية فقط للغرض المطلوب، مثل تحويل الكلام إلى نص لاستخراج البيانات الأساسية فقط، سواء من قبل موظف الخدمة أو بشكل آلي عبر الهاتف.

وقال باكستروم لموقع “لايف ساينس”: “ستكون المعلومات المرسلة إلى الخدمة أقل قدر ممكن لإنجاز المهمة المطلوبة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى