آيبود
يتزايد اهتمام الناس في الآونة الأخيرة بشراء مشغلات إم بي ثري التي كانت تنتجها شركة أبل، رغم أن الشركة أوقفت تصنيعها منذ سنوات. هذا التوجه لا يرتبط فقط بالرغبة في اقتناء جهاز قديم، بل يعكس مشاعر أعمق تتصل بالحنين إلى فترات سابقة كانت فيها التكنولوجيا أبسط وأقل تعقيدًا. كثيرون يشعرون بأن تلك الأجهزة تعيدهم إلى أوقات ارتبطت بذكريات شخصية جميلة، عندما كان الاستماع إلى الموسيقى تجربة أكثر خصوصية وأقل تشتيتًا مما هي عليه اليوم.

بالنسبة إلى عدد كبير من المستخدمين، تمثل هذه المشغلات رمزًا لمرحلة سبقت هيمنة الهواتف الذكية على تفاصيل الحياة اليومية. فقد أصبح الهاتف اليوم مركزًا لكل شيء تقريبًا، من التواصل والعمل إلى الترفيه والتسوق. ومع هذا الاعتماد الواسع، تزايد الإحساس بالإرهاق الرقمي نتيجة الإشعارات المستمرة، وتدفق المعلومات المتواصل، وضغط البقاء على اتصال دائم بالشبكات الاجتماعية. من هنا تبدو العودة إلى جهاز مخصص لتشغيل الموسيقى فقط وكأنها محاولة واعية لتقليل مصادر التشتيت واستعادة قدر من التركيز.
أما لدى الأجيال الشابة، فيحمل هذا الإقبال أبعادًا مختلفة. فالكثير منهم لم يعش فعليًا فترة انتشار هذه الأجهزة في ذروتها، لكنه ينجذب إليها بوصفها جزءًا من موجة أوسع تعيد إحياء تقنيات وهوايات غير متصلة بالإنترنت. نشهد اليوم اهتمامًا متزايدًا بالكاميرات الفورية، وأجهزة الألعاب القديمة، والكتب الورقية، وحتى الدفاتر اليدوية. ويعكس هذا التوجه رغبة في اختبار أنماط عيش أقل ارتباطًا بالشاشات وأكثر اتصالًا بالتجربة المادية المباشرة.
كما أن مشغلات إم بي ثري تمنح المستخدم تجربة استماع مختلفة. فهي تتيح التركيز على الألبومات الكاملة بدلًا من الاكتفاء بقوائم تشغيل عشوائية تقترحها الخوارزميات. يشعر البعض أن هذا الأسلوب يعيد الاعتبار لفكرة الإصغاء المتأني، حيث يصبح اختيار الأغنية فعلًا مقصودًا لا نتيجة توصية آلية. كذلك فإن غياب التطبيقات الأخرى يعني أن المستخدم لا يتلقى إشعارات أو رسائل تقطع عليه لحظة الاستمتاع بالموسيقى.
إضافة إلى ذلك، يسهم عامل الندرة في تعزيز جاذبية هذه الأجهزة. فكونها لم تعد تُنتج يجعل الحصول عليها أشبه باقتناء قطعة من التاريخ التقني الحديث. بعض الناس يبحثون عنها في الأسواق الإلكترونية أو متاجر السلع المستعملة، ويحرصون على صيانتها والاحتفاظ بها بعناية. هذا السلوك يعكس تقديرًا متزايدًا للأشياء التي تتمتع بعمر أطول وقيمة رمزية تتجاوز وظيفتها الأساسية.
في المجمل، يمكن فهم هذا الإقبال بوصفه استجابة ثقافية لحالة التشبع الرقمي التي يعيشها العالم المعاصر. فبينما توفر الهواتف الذكية إمكانات هائلة، إلا أن استخدامها المفرط خلق حاجة إلى بدائل أبسط تتيح لحظات من الانفصال المؤقت. من خلال العودة إلى أجهزة مخصصة لوظيفة واحدة، يسعى البعض إلى استعادة إحساس بالتحكم في وقتهم واهتمامهم، وإلى إعادة تعريف علاقتهم بالتكنولوجيا بطريقة أكثر توازنًا ووعيًا.
تكشف بيانات غوغل تريندز عن عودة لافتة للاهتمام بأجهزة آيبود الأصلية التي طورتها شركة أبل، رغم مرور سنوات على إيقاف تصنيعها. فقد أظهرت المؤشرات ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات البحث عن جهاز آيبود الكلاسيكي وآيبود نانو خلال العام الماضي، وهو ما يعكس موجة حنين متجددة نحو الأجهزة التقنية القديمة. وتأتي هذه الزيادة في الاهتمام على الرغم من أن أبل كانت قد أعلنت في عام 2022 إيقاف إنتاج هذه الأجهزة بشكل نهائي، منهية بذلك حقبة استمرت لأكثر من عقدين شكّل خلالها الآيبود رمزًا للاستماع المحمول إلى الموسيقى.
ووفق تقرير نشره موقع أكسيوس واطلعت عليه العربية Business، فإن بيانات داخلية أشارت إلى نمو ملحوظ في عمليات البحث على منصة إيباي عن هذه الأجهزة. فقد ارتفعت عمليات البحث عن آيبود كلاسيك بأكثر من خمسة وعشرين في المئة بين شهري يناير وأكتوبر من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. كما زادت عمليات البحث عن آيبود نانو بأكثر من عشرين في المئة خلال المدة ذاتها. ويعكس هذا الاتجاه رغبة متزايدة في اقتناء أجهزة لم تعد متوافرة في الأسواق الرسمية، ما يدفع المهتمين إلى اللجوء إلى منصات البيع وإعادة البيع للحصول عليها.
ويرى خبراء أن هذا الاهتمام المتجدد يرتبط بطبيعة الأجهزة التقنية القديمة التي كانت تؤدي وظيفة واحدة بوضوح. فبحسب كال نيوبورت، أستاذ علوم الحاسوب ومؤلف كتاب Digital Minimalism، فإن الآيبود يمثل مثالًا على جهاز أحادي الغرض، إذ يقتصر استخدامه على تشغيل الموسيقى فقط. ويؤكد نيوبورت أن هذا التخصص يمنح المستخدم قدرة أكبر على التحكم في وقته وانتباهه، بخلاف الهواتف الذكية التي تجمع في جهاز واحد خدمات الموسيقى والمراسلة وتصفح الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والأخبار، الأمر الذي يجعل من الصعب على الأفراد ضبط استخدامهم للتكنولوجيا بشكل منتظم.
وتتجلى أبعاد هذا التحول أيضًا في شهادات بعض الشباب. فقد ذكرت ناتالي كونستانتين، التي حصلت على جهاز آيبود نانو مستعمل كهدية في عيد الميلاد الماضي، أن أبناء جيل زد يعيشون حالة من القلق وعدم اليقين بشأن المستقبل، وهو ما يدفعهم إلى التمسك بأشياء ارتبطت في أذهانهم بمشاعر إيجابية في الماضي. وأوضحت أن استخدام الآيبود يمنحها إحساسًا بالبساطة والطمأنينة، ويعيد إليها تجربة الاستماع إلى الموسيقى بعيدًا عن التشتيت المستمر الذي تفرضه التطبيقات الحديثة.
ومن زاوية أخرى، تشير ليبي رودني، كبيرة مسؤولي الاستراتيجية في مؤسسة هاريس بول لاستطلاعات الرأي، إلى مفهوم يعرف باسم تعظيم الاحتكاك. ويعني هذا المفهوم أن بعض الشباب يفضلون خوض تجارب تتطلب جهدًا ووقتًا بدل الاعتماد الكامل على الخوارزميات التي توفر كل شيء بصورة فورية وسلسة. فعلى سبيل المثال، يختار كثيرون تحميل عدد محدد من الأغاني يدويًا إلى جهاز الآيبود، بدل ترك تطبيقات البث الموسيقي تنشئ قوائم تشغيل تلقائية وفق تفضيلات محسوبة خوارزميًا.
وتضيف رودني أن المجتمع بدأ يبتعد تدريجيًا عن ثقافة الراحة المطلقة والسلاسة التامة، متجهًا نحو البحث عن معنى أعمق في التجارب التي تنطوي على قدر من الجهد. ويبدو أن عودة الآيبود تمثل أحد تجليات هذا الاتجاه، حيث يتحول الجهاز من مجرد أداة تقنية قديمة إلى رمز لرغبة أوسع في استعادة السيطرة على الوقت والانتباه، والعودة إلى علاقة أبسط وأكثر تركيزًا مع الموسيقى والتكنولوجيا عمومًا.




