تقنية

شات جي بي تي

أعلن أحدث نموذج من شات جي بي تي عن استخدامه لموسوعة غروكيبيديا، التي أطلقها رجل الأعمال إيلون ماسك، كمصدر للمعلومات عند الإجابة على مجموعة واسعة من الاستفسارات التي يطرحها المستخدمون. وقد شملت هذه الاستفسارات مواضيع حساسة، مثل تحليلات حول تكتلات إيرانية وأراء تتعلق بمنكري الهولوكوست، الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا بشأن مدى مصداقية المعلومات التي يقدمها النموذج واحتمالية انتشار محتوى مضلل عبر المنصة.

شات جي بي تي
شات جي بي تي

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف العامة حول المصادر التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، خصوصًا فيما يتعلق بالموضوعات التاريخية والسياسية والدينية، التي تتطلب دقة كبيرة ومسؤولية عالية عند تقديمها للجمهور. ويُعد الاعتماد على موسوعة مثل غروكيبيديا، التي لها توجهات خاصة وخلفية مؤسسية مرتبطة بإيلون ماسك، أمرًا قد يثير تساؤلات حول الانحياز المحتمل للمعلومات التي يتم الاستشهاد بها.

وأجرت صحيفة ذا غارديان سلسلة من الاختبارات لتقييم أداء نموذج GPT-5.2 في الرد على الأسئلة المختلفة، حيث لاحظت الصحيفة أن النموذج استشهد بموسوعة غروكيبيديا في تسع مناسبات من أصل أكثر من اثني عشر سؤالًا تم طرحها. وقد تناولت هذه الأسئلة موضوعات متنوعة، بعض منها يتضمن معلومات دقيقة ومعروفة، بينما شملت أسئلة أخرى مواضيع مثيرة للجدل، الأمر الذي يجعل الاعتماد على مصدر واحد مثل غروكيبيديا مثار قلق.

ويرى خبراء الذكاء الاصطناعي أن مسألة اختيار المصادر تعتبر من القضايا المحورية عند تطوير النماذج اللغوية الحديثة، إذ أن أي ميل إلى استخدام مصدر محدد بشكل متكرر قد يؤدي إلى تقديم صورة غير متوازنة أو منحازة حول موضوعات معينة. كما أن بعض المصادر قد تحتوي على محتوى غير دقيق أو آراء شخصية قد لا تعكس الحقائق التاريخية أو العلمية بشكل كامل، ما يزيد من خطر نشر المعلومات المضللة على نطاق واسع.

وقد أثار استخدام غروكيبيديا اهتمام المتابعين في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث بدأ النقاش حول مدى موثوقية هذه الموسوعة مقارنة بالمصادر التقليدية والمعروفة عالميًا، مثل ويكيبيديا وموسوعات علمية وتاريخية أخرى. ويشير النقاد إلى أن الاعتماد على موسوعة ذات خلفية مؤسسية محددة قد ينعكس على جودة ودقة المعلومات، خصوصًا إذا كانت هذه المعلومات تُستخدم للإجابة على أسئلة حساسة أو مثيرة للجدل.

من جهة أخرى، يشير مؤيدو هذه الخطوة إلى أن شات جي بي تي يهدف إلى تنويع مصادره وتقديم معلومات جديدة، وأن الاعتماد على غروكيبيديا قد يكون جزءًا من محاولة لتوسيع نطاق المعرفة المتاحة للنموذج. ومع ذلك، يبقى التساؤل حول مدى قدرة المستخدم العادي على التمييز بين المعلومات الدقيقة والمحتوى المحتمل التحيز قائمًا، مما يسلط الضوء على أهمية تطوير آليات للتحقق من المصادر والتحقق من صحة المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت الذي يتطور فيه نموذج GPT-5.2 ويصبح أكثر قدرة على التعامل مع استفسارات معقدة، يبقى تحدي المصداقية والتحقق من المصادر واحدًا من أبرز القضايا التي يواجهها الباحثون والمطورون والمستخدمون على حد سواء. ويبدو أن النقاش حول استخدام غروكيبيديا كمصدر أساسي للمعلومات سيتواصل، مع محاولة تحقيق التوازن بين تقديم معلومات جديدة ومتنوعة وضمان دقتها وموثوقيتها.

شهدت الفترة الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالهياكل السياسية في إيران، بما في ذلك تفاصيل حول الرواتب التي يتقاضاها أعضاء قوات الباسيج شبه العسكرية، وهي قوة محلية تابعة للحرس الثوري الإيراني، ومسؤولة عن مراقبة المجتمع والمشاركة في المهمات الأمنية. وبرزت أسئلة متعددة حول هذه القوات، لاسيما في ضوء دورها في حفظ النظام الداخلي ومكافحة الاحتجاجات، ما جعل من الضروري توضيح هياكل الرواتب والتنظيم الداخلي لهذه الوحدة شبه العسكرية.

في سياق آخر، أثارت السيرة الذاتية للسير ريتشارد إيفانز، المؤرخ البريطاني المعروف، اهتمام المتابعين بعد أن شغل دور الشاهد الخبير في قضية التشهير ضد منكر الهولوكوست ديفيد إيرفينغ، والتي تناولتها تقارير صحيفة الغارديان واطلعت عليها العربية Business. وقدمت هذه القضية مثالًا واضحًا على الدور الحيوي للخبراء في فضح التزوير التاريخي والإنكار المتعمد للأحداث التاريخية، مؤكدين أهمية المصداقية والدقة في التعامل مع السجلات التاريخية.

وفي مجال التكنولوجيا والموسوعات الإلكترونية، أُطلقت موسوعة غروكيبيديا في أكتوبر، وهي منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى موسوعي مشابه لويكيبيديا، لكنها واجهت انتقادات بسبب ترويجها أحيانًا لروايات يمينية متطرفة، بما في ذلك معلومات حول أحداث اقتحام الكابيتول في الولايات المتحدة في السادس من يناير. ومن أبرز الاختلافات بين غروكيبيديا وويكيبيديا هو أن الأولى لا تسمح بالتعديل البشري المباشر، بل يعتمد المحتوى بالكامل على نموذج الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص والاستجابة لطلبات المستخدمين.

ومع ذلك، لم يستشهد شات جي بي تي بغروكيبيديا عند تكرار معلومات مضللة حول أحداث الاقتحام أو التحامل الإعلامي ضد دونالد ترامب أو حول وباء فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، وهي المجالات التي أظهرت الموسوعة فيها تحيزًا واضحًا. وبدلاً من ذلك، ظهر تأثير غروكيبيديا في الردود المتعلقة بموضوعات أكثر غموضًا، بما في ذلك تفاصيل عن عمل السير ريتشارد إيفانز كشاهد خبير، والتي سبق فندتها تقارير صحفية موثوقة مثل الغارديان.

وأشار تقرير إلى أن GPT-5.2 ليس النموذج الوحيد الذي يستشهد بغروكيبيديا، إذ أشارت تقارير أخرى إلى أن نموذج كلود من شركة أنثروبيك اعتمد على موسوعة ماسك في مواضيع متنوعة تتراوح بين إنتاج البترول وأنواع البيرة الاسكتلندية. وأوضح متحدث باسم أوبن إيه آي أن البحث على الويب داخل النموذج يهدف إلى الاستفادة من نطاق واسع من المصادر المتاحة للعامة، مع تطبيق فلاتر أمان للحد من ظهور الروابط الضارة، وإظهار الاستشهادات للمصادر المستخدمة في الإجابة.

غير أن تسرب معلومات غروكيبيديا أحيانًا بشكل خفي إلى إجابات النماذج اللغوية يثير مخاوف الباحثين في مكافحة المعلومات المضللة. وفي العام الماضي، أعرب خبراء الأمن عن قلقهم من نشر جهات خبيثة لكم هائل من المعلومات المضللة بهدف التأثير على نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد أثيرت مخاوف مماثلة في الكونغرس الأميركي حول نموذج جيميني من غوغل، الذي كرر مواقف الحكومة الصينية بشأن حقوق الإنسان وسياسات كوفيد-19.

وأوضحت نينا يانكوفيتش، الباحثة في المعلومات المضللة، أن استشهاد شات جي بي تي بغروكيبيديا يزيد المخاطر، إذ أن المحتوى غالبًا ما يعتمد على مصادر غير موثوقة أو سيئة التوثيق، وأحيانًا يتضمن معلومات مضللة متعمدة. ومع ذلك، فإن استشهاد النماذج اللغوية بمصادر مثل غروكيبيديا قد يمنح هذه المصادر مصداقية زائفة لدى القراء، مما يجعل إزالة المعلومات المغلوطة من روبوتات الدردشة أمرًا بالغ الصعوبة بمجرد تسربها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى