تقنية

ميتا

في أكتوبر من عام 2025، قامت شركة ميتا بإدخال تغييرات على شروط استخدام واتساب للأعمال، وهو القسم الذي تُتيح من خلاله للأعمال التجارية استخدام تطبيق واتساب للتواصل مع عملائها. وقد أثارت هذه التعديلات انتباه هيئة المنافسة وحماية المستهلك في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا ، التي بدأت في إجراء تحقيق موسع لمعرفة ما إذا كانت هذه التعديلات تُقيّد بصورة غير عادلة مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي من الأطراف الثالثة.

ميتا
ميتا

بحسب الهيئة نفسها، فإن هناك شكوكاً حول أن الشروط الجديدة قد تضع قيوداً من شأنها أن تحد من قدرة شركات الذكاء الاصطناعي الخارجية على الوصول إلى البيانات أو الوظائف اللازمة لتقديم خدماتها بكفاءة. وتشير الهيئة إلى أن هذه القيود المحتملة قد تُسهم في تقوية موقع “Meta AI” وهو المساعد الذكي الخاص بشركة ميتا، على حساب المنافسين الذين يعتمدون على واجهات واتساب وبرمجياته لتطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

الهيئة أوضحت في تصريحاتها أن الهدف من التحقيق هو التأكد من أن التعديلات التي أُدخلت على شروط واتساب للأعمال لا تُميّز بشكل غير مبرر ضد مزودي خدمات الطرف الثالث. ويأتي هذا في سياق سعي الهيئة لحماية المنافسة العادلة في المنطقة، وضمان أن الشركات الكبيرة لا تستخدم سلطتها أو منصاتها الأساسية لخلق حواجز أمام المنافسين الأصغر أو المتخصصين في مجالات محددة مثل الذكاء الاصطناعي.

وهذا التحقيق يرتبط بشكل خاص بكيفية تعامل واتساب مع التطبيقات والخدمات التي تعتمد على واجهات برمجة التطبيقات (APIs) الخاصة به. فالوصول إلى هذه الواجهات يُعد أساسياً بالنسبة للعديد من مطوري الخدمات الذكية والتطبيقات التي يمكن أن تتكامل مع واتساب لتقديم حلول متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل روبوتات الدردشة الذكية، أو أنظمة تحليل المحادثات، أو خدمات الترجمة التلقائية وغيرها. ولكن، بحسب المخاوف المثارة، فإن التعديلات الجديدة في الشروط قد تقيد قدرة هذه التطبيقات على العمل بكفاءة، أو قد تفرض شروطاً جديدة تجعل من الصعب على المنافسين تقديم خدمات ذات جودة مماثلة لتلك التي تقدمها ميتا عبر “Meta AI”.

من جانبها، تؤكد ميتا أن التعديلات التي أجرتها كانت تهدف إلى تحسين تجربة المستخدمين، وتعزيز أمن البيانات وحماية الخصوصية، وهو ما يعد محوراً مهماً في عصر تتزايد فيه المخاوف بشأن استخدام البيانات الشخصية. وتقول الشركة إن أي تغييرات في الشروط تُتخذ في إطار حرصها على ضمان أن تكون المنصة آمنة وموثوقة، وأنها لا تستهدف منع أو تقييد المنافسة بشكل غير عادل. غير أن الهيئة المعنية اعتبرت أن تصريحات الشركة لا تنفي الحاجة إلى فحص مستقل للتأثير الفعلي لهذه التعديلات على المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي.

كما أوضح مسؤولو الهيئة أن التحقيق يشمل مراجعة دقيقة لكيفية تطبيق الشركة لشروطها الجديدة، وما إذا كان ذلك يؤدي إلى مواجهة مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي من خارجها لصعوبات عملية في الوصول إلى البيانات أو الوظائف التي يحتاجونها لتقديم خدمات مبتكرة وفعالة. وتشمل هذه المراجعة النظر في بنود العقود، وسياسات الاستخدام، وأي قيود تقنية قد تُعيق عمل المطورين. وتسعى الهيئة من خلال هذا التحقيق إلى ضمان أن البيئة التجارية في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا تظل بيئة تشجع الابتكار والمنافسة، وأن الشركات سواء كانت كبيرة أو صغيرة لها فرص متساوية للمنافسة وتقديم خدمات ذات قيمة للمستخدمين.

ويتوقع أن تأخذ هذه المراجعة وقتاً، وأن تستمع الهيئة إلى آراء مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك الشركات المتأثرة، وخبراء التكنولوجيا، والمستخدمين، قبل أن تُصدر قرارها النهائي بشأن ما إذا كانت التعديلات على شروط واتساب تشكل انتهاكاً لقواعد المنافسة أم لا.

حذرت اللجنة التنظيمية من أن الهيكل المقترح قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق نوع من الاستغلال للهيمنة داخل السوق المشتركة التي تضم 21 دولة عضوًا، والتي تشمل اقتصادات رقمية كبيرة مثل مصر وكينيا وإثيوبيا وأوغندا وزامبيا، وذلك وفقًا لتقرير نشره موقع “بيزنس إنسايدر أفريقا” الذي اطلعت عليه “العربية Business”. وأكدت الهيئة أن هذه الخطوة ليست إدانة للشركة بأي مخالفة، بل تمثل بداية عملية لتقصي الحقائق وفهم طبيعة السلوك وآثاره على السوق.

وأضافت الهيئة أنها ستقوم بتقييم سلوك الشركة وآثاره المحتملة على السوق بشكل دقيق قبل التوصل إلى أي استنتاجات نهائية، مشيرة إلى أهمية إشراك جميع أصحاب المصلحة في تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشكل كتابي، وحددت موعدًا نهائيًا لتلقي التعليقات في السادس عشر من مارس عام 2026. وتأتي هذه الإجراءات في إطار حرص الهيئة على ضمان أن تتسم الأسواق الرقمية بالشفافية والمنافسة العادلة، بما يتيح الفرص المتكافئة لجميع اللاعبين في القطاع الرقمي دون أن يطغى أحدهم على الآخرين.

ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد التدقيق الرقابي الذي تواجهه الشركة الأم لتطبيق واتساب في القارة الإفريقية وخارجها. ففي السنوات الأخيرة، قامت السلطات الكينية بمراجعة ممارسات المنصات الرقمية الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع البيانات ومكافحة انتشار المعلومات المضللة. وفي نيجيريا، قامت مؤسسة حماية البيانات بفرض غرامات على “ميتا” نتيجة لانتهاكات متعلقة بالخصوصية وحماية المعلومات الشخصية.

وعلى المستوى العالمي، تواجه الشركة ضغوطًا متزايدة من الهيئات التنظيمية الأوروبية، حيث تدرس المفوضية الأوروبية وهيئة المنافسة الإيطالية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في واتساب، وسط مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تقييد المنافسة وفرض قيود على مزودي روبوتات الدردشة الأخرى. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول التوازن بين الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق المستخدمين والحفاظ على بيئة تنافسية عادلة في السوق.

ويحظى واتساب بمكانة بارزة في الاقتصاد الرقمي الإفريقي، إذ يظل أحد أكثر أدوات التواصل والتجارة استخدامًا، ويخدم ملايين الشركات والمطورين والمستهلكين في جميع أنحاء القارة. ويشير المحللون إلى أن أي قيود صارمة قد تجعل الوصول إلى المنصة مرتبطًا حصريًا بخدمات الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركة ميتا، مما قد يعيق الشركات الناشئة والمطورين المستقلين من الوصول إلى العملاء بفعالية، ويحد من الفرص المتاحة أمامهم للاستفادة من واحدة من أهم البوابات الرقمية في إفريقيا.

ومع تزايد استخدام واتساب في الحياة اليومية للأفراد والشركات، أصبح من الضروري مراقبة تأثير استراتيجيات الشركات الكبرى على حرية السوق وقدرة اللاعبين الأصغر على المنافسة. وفي الوقت نفسه، تشدد الهيئات التنظيمية على ضرورة الحفاظ على التوازن بين الابتكار وتوفير بيئة عادلة للمستهلكين والشركات على حد سواء، لضمان نمو مستدام للاقتصاد الرقمي القاري.

ويظهر من هذا التطور أن هناك اهتمامًا متزايدًا من قبل السلطات التنظيمية لضمان عدم استغلال الهيمنة الرقمية من قبل أي شركة، خاصة عندما تكون المنصة مركزية في السوق ولها دور كبير في حياة المستخدمين والتجارة الرقمية. وتؤكد هذه الإجراءات على أن مراقبة الأسواق الرقمية تتطلب فهماً دقيقًا لتأثير التكنولوجيا الحديثة على المنافسة وحماية حقوق جميع الأطراف المشاركة في السوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى