OpenClaw
بعد سلسلة من التغييرات المتتالية في الاسم والهوية، ومع اتساع نطاق انتشاره من مراكز الابتكار في وادي السيليكون وصولا إلى الأوساط التقنية في بكين، تصاعد الجدل بشكل لافت حول وكيل ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يعرف حاليا باسم OpenClaw. هذا الوكيل أصبح خلال فترة زمنية قصيرة واحدا من أكثر المشاريع التي تثير النقاش والانقسام داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي العالمي، سواء بين المطورين أو الباحثين أو صناع القرار.

لم يكن OpenClaw معروفا بهذا الاسم منذ البداية، إذ مر بعدة مراحل تطور رافقتها تغييرات في التسمية والوظائف. في نسخته الأولى ظهر تحت اسم Clawdbot، ثم أعيد تقديمه لاحقا باسم Moltbot، قبل أن يستقر أخيرا على الاسم الحالي الذي يعكس طموحا أوسع وهوية أكثر نضجا. هذه التحولات لم تكن شكلية فقط، بل جاءت نتيجة تعديلات جوهرية في البنية التقنية والفلسفة التي يقوم عليها المشروع، خاصة فيما يتعلق بالانفتاح والاعتماد على المجتمع البرمجي العالمي.
تم إطلاق هذا الوكيل الذكي قبل أسابيع قليلة على يد مطور البرمجيات النمساوي بيتر شتاينبرغر، الذي يعرف في الأوساط التقنية بدعمه القوي للبرمجيات مفتوحة المصدر وسعيه لتقليل هيمنة الشركات الكبرى على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومنذ اللحظات الأولى للإطلاق، جذب المشروع اهتماما واسعا بسبب قدرته على تنفيذ مهام معقدة بشكل شبه مستقل، إضافة إلى إتاحته الكاملة للمطورين لتعديله وتحسينه دون قيود تجارية صارمة.
الانتشار السريع لـ OpenClaw لم يكن خاليا من الجدل. ففي حين يرى فيه البعض خطوة مهمة نحو ديمقراطية الذكاء الاصطناعي وتمكين الأفراد والمؤسسات الصغيرة، يحذر آخرون من المخاطر المحتملة المرتبطة بإتاحة وكلاء ذكيين متقدمين دون ضوابط واضحة. وقد تصاعد هذا الجدل مع بدء استخدام الأداة في بيئات مختلفة، من تطوير البرمجيات وتحليل البيانات إلى التجارب البحثية وحتى بعض الاستخدامات التجارية.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المطورين دورا محوريا في تضخيم النقاش حول OpenClaw، حيث انتشرت تجارب المستخدمين وآراؤهم بشكل واسع، ما بين إشادة كبيرة بمرونته وقدراته، وانتقادات حادة تتعلق بالأمان والأخلاقيات. هذا التفاعل المكثف ساهم في تحويل OpenClaw من مجرد مشروع تقني ناشئ إلى ظاهرة تستحق المتابعة والدراسة.
في المحصلة، يعكس صعود OpenClaw التحولات العميقة التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، حيث تتقاطع الابتكارات التقنية مع الأسئلة الأخلاقية والسياسية. وبينما لا يزال من المبكر الحكم على المسار النهائي لهذا الوكيل الذكي، فإن المؤكد أنه نجح في فرض نفسه كأحد أبرز عناوين النقاش في عالم الذكاء الاصطناعي هذا العام.
يأتي صعوده المفاجئ مدفوعًا بقدراته المتقدمة والاهتمام الكبير الذي حظي به على منصات التواصل الاجتماعي، في وقت يتزايد فيه التركيز على وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على إنجاز المهام واتخاذ القرارات وتنفيذ الإجراءات نيابة عن المستخدمين بصورة مستقلة دون الحاجة إلى توجيه بشري دائم
حتى وقت قريب، لم تنجح وكلاء الذكاء الاصطناعي في تحقيق الانتشار الواسع الذي وصلت إليه النماذج اللغوية الكبيرة بعد إطلاق شات جي بي تي من شركة أوبن إيه آي، إلا أن OpenClaw قد يمثل نقطة تحول في هذا المسار.
ولا يقتصر تفاؤل قادة الأعمال على اعتبار الوكلاء الأذكياء مثل OpenClaw أدوات لتحسين الإنتاجية كمساعدين شخصيين، بل يرى بعضهم أنهم قد يصبحون قادرين على إدارة شركات كاملة بشكل ذاتي خلال فترة قصيرة.
ما قدرات OpenClaw؟
يُقدَّم OpenClaw على أنه ذكاء اصطناعي قادر على تنفيذ المهام فعليًا، إذ يعمل مباشرة على أنظمة تشغيل المستخدمين وتطبيقاتهم، ويتيح أتمتة مجموعة واسعة من الأعمال مثل إدارة البريد الإلكتروني والتقويم، وتصفح الإنترنت، والتفاعل مع الخدمات الرقمية المختلفة.
ويتطلب استخدام OpenClaw تثبيته على خادم أو جهاز محلي، ثم ربطه بنموذج لغوي كبير مثل كلود من شركة أنثروبيك أو شات جي بي تي، وهي خطوات قد تمثل تحديًا للمستخدمين غير المتخصصين تقنيًا.
في المراحل الأولى، ركزت عمليات التكامل على تطبيقات المراسلة مثل واتساب وتيليغرام وديسكورد، ما أتاح للمستخدمين التحكم في وكيل الذكاء الاصطناعي من خلال أوامر نصية مباشرة.
وسجل مستخدمون حالات قيام OpenClaw بتنفيذ مهام فعلية، من بينها التصفح التلقائي للويب، وتلخيص ملفات PDF، وتنظيم المواعيد، والتسوق نيابة عن المستخدم، إضافة إلى إرسال الرسائل الإلكترونية أو حذفها دون تدخل بشري مباشر.
ومن أبرز خصائصه ميزة الذاكرة الدائمة، التي تتيح له استرجاع التفاعلات السابقة على مدى أسابيع، والتكيف مع سلوك المستخدم وعاداته لتقديم وظائف شديدة التخصيص.
ويختلف OpenClaw عن عدد من وكلاء الذكاء الاصطناعي البارزين الآخرين، مثل الوكيل الذي طورته شركة مانوس واستحوذت عليه ميتا مؤخرًا، بكونه مفتوح المصدر، ما يسمح للمطورين بالاطلاع على شفرته البرمجية وتعديلها بحرية.
تبني سريع
أسهمت الطبيعة المفتوحة المصدر لOpenClaw في تسريع انتشاره، إذ مكنت المستخدمين من تطوير تكاملات جديدة مع تطبيقات متنوعة. ويُتاح البرنامج مجانًا، بينما تقتصر التكاليف على تشغيل نموذج اللغة الأساسي فقط.
وحتى الآن، حصد المشروع أكثر من 145 ألف نجمة على منصة غيت هاب، إضافة إلى نحو 20 ألف عملية نسخ، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الكبير به، رغم عدم وضوح أرقام الاستخدام الفعلي والنشط.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الانتشار الأولي للوكيل بدأ في وادي السيليكون، حيث ضخت الشركات استثمارات بمليارات الدولارات في مشروعات وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ومنذ ذلك الحين، توسع انتشاره ليشمل الصين، حيث تبنت شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي هذه الأداة، من بينها مزودو الخدمات السحابية مثل علي بابا وتينسنت وبايت دانس، الذين يعملون على تطوير روبوتات الدردشة لديهم بإضافة أدوات تسوق ودفع مدمجة دون الحاجة إلى مغادرة المنصات.
كما يمكن ربط OpenClaw بنماذج لغوية مطورة داخل الصين مثل ديب سيك، وتهيئته للعمل مع تطبيقات المراسلة المحلية عبر إعدادات خاصة.
مخاوف وحماس
أظهر المستخدمون الأوائل لOpenClaw مزيجًا من الإعجاب والقلق تجاه إمكاناته.
فقد رأى بعض خبراء الذكاء الاصطناعي أن قدراته يتم تضخيمها، مشيرين إلى تعقيد خطوات التثبيت، وارتفاع متطلبات العتاد الحاسوبي، إضافة إلى المنافسة القوية من وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين.
في المقابل، أكد عدد من المؤيدين أنهم نجحوا في توفير ساعات عمل أسبوعيًا بفضل أتمتة المهام الروتينية، واصفين OpenClaw بأنه ذكاء اصطناعي يمتلك القدرة على التنفيذ العملي، وخطوة متقدمة نحو الذكاء الاصطناعي العام القادر نظريًا على أداء مهام فكرية تضاهي أو تتجاوز قدرات البشر.
وقالت كوثر المغراوي، الباحثة في شركة آي بي إم، إن OpenClaw يبرهن على أن الفائدة العملية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الشركات الكبرى، بل يمكن أن تكون كبيرة جدًا عند منحه صلاحيات وصول كاملة إلى الأنظمة.
في المقابل، حذر خبراء الأمن السيبراني من المخاطر المحتملة. فقد أشارت شركة بالو ألتو نتوركس إلى أن هذا النوع من الوكلاء يمثل مزيجًا خطيرًا من التهديدات، نتيجة وصوله إلى بيانات خاصة، وتفاعله مع محتوى غير موثوق، وقدرته على التواصل الخارجي مع الاحتفاظ بذاكرة طويلة الأمد.
واعترف بيتر شتاينبرغر، مبتكر OpenClaw، بوجود هذه المخاطر، مؤكدًا أن المشروع يحتاج إلى مزيد من العمل على الجوانب الأمنية.
وأوضح شتاينبرغر في تصريحات عبر البريد الإلكتروني لشبكة سي إن بي سي أن OpenClaw مشروع هواة مجاني ومفتوح المصدر، ويتطلب إعدادًا دقيقًا ليكون آمنًا، وهو غير موجه حاليًا للمستخدمين غير التقنيين، مشيرًا إلى أن العمل جارٍ للوصول إلى هذه المرحلة رغم بقاء بعض الجوانب غير المكتملة.
وأضاف أنه منذ إطلاق الوكيل، بدأ بتشكيل فريق عمل حوله، وبالتعاون مع مجتمع الأمن السيبراني العالمي تم تحقيق تقدم ملموس في تحسين مستوى الأمان، مؤكدًا أن الأمر سيستغرق وقتًا قبل التوصية به لعامة المستخدمين، لكنه واثق من الوصول إلى ذلك مستقبلًا.
جدل مولت بوك
ازدادت الضجة المحيطة بOpenClaw مع إطلاق منصة مولت بوك Moltbook، وهي شبكة اجتماعية مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي، أطلقها مؤخرًا رائد الأعمال التقني مات شليخت.
وتعمل المنصة كمنتدى إلكتروني يشبه موقع ريديت، حيث ينشر وكلاء OpenClaw محتوى مكتوبًا ويتفاعلون مع روبوتات دردشة أخرى من خلال التعليقات والتصويتات الإيجابية والسلبية.
وتنوعت منشورات الوكلاء بين تأملات حول طبيعة عملهم لخدمة المستخدمين، وتحليلات موسعة لقضايا كبرى مثل نهاية ما يُعرف بعصر البشر، بل إن بعضهم شرع في إطلاق رموز عملات رقمية خاصة به.
وأثارت المنصة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها البعض مجرد وسيلة دعائية، في حين رأى آخرون أنها مؤشر على مستقبل تتزايد فيه استقلالية الذكاء الاصطناعي، وما قد يرافق ذلك من تحولات في العلاقة بين الإنسان والآلة، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
وبحسب محلل في مجال الذكاء الاصطناعي تحدث إلى سي إن بي سي، فإن هذا الجدل والانتشار الكبير لمنصة مولت بوك كان لهما تأثير واضح في المزاج العام تجاه وكلاء الذكاء الاصطناعي.
وقال مارك أينشتاين، الرئيس العالمي لأبحاث الذكاء الاصطناعي في شركة كاونتربوينت ريسيرش، إن الناس باتوا يشاهدون الروبوتات وهي تتواصل وتتعلم بطرق يصعب تمييزها عن البشر، وهو ما يدفعهم للتفكير بجدية في الإمكانات التي قد تقدمها هذه التقنيات، سواء من حيث الفوائد أو المخاطر.




