هاتفك
هل الضوء الأزرق من هاتفك يؤثر فعلًا في نومك؟ علماء يفنّدون الاعتقاد الشائع كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الهواتف والأجهزة الإلكترونية، مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة التلفزيون، يمثل أحد أبرز الأسباب التي تؤدي إلى اضطراب النوم. واستند هذا الاعتقاد إلى حقيقة علمية مفادها أن الضوء الأزرق يمكن أن يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون المرتبط بتنظيم دورة النوم والاستيقاظ والشعور بالنعاس.

وبحسب هذه الفكرة، فإن التعرض للضوء الأزرق في الساعات التي تسبق النوم قد يؤدي إلى انخفاض إفراز الميلاتونين، وبالتالي يجعل الدخول في النوم أكثر صعوبة أو يؤثر في القدرة على الاستمرار فيه. ولهذا السبب انتشرت نصائح كثيرة تدعو إلى الابتعاد عن الهواتف والشاشات قبل النوم، أو استخدام خصائص تقليل الضوء الأزرق، أو ارتداء نظارات مخصصة لحجب هذا النوع من الضوء.
لكن الأبحاث العلمية الأحدث تشير إلى أن الصورة ليست بهذه البساطة. فالتعرض للضوء الأزرق قد يكون أحد العوامل التي تؤثر في النوم، لكنه لا يبدو العامل الوحيد أو الحاسم في جميع الحالات. وأظهرت مراجعات علمية أن نتائج الدراسات السابقة لم تكن متطابقة، ما يعني أن استخدام الهاتف قبل النوم لا يؤدي بالضرورة إلى نوم سيئ لدى كل شخص.
وأجرت إحدى الدراسات مراجعة للأبحاث السابقة بهدف معرفة مدى ثبات العلاقة بين الضوء الأزرق وجودة النوم. وبدلًا من العثور على نتيجة واحدة واضحة، وجد الباحثون اختلافًا بين نتائج الدراسات، إذ أشارت بعض الأبحاث إلى فوائد استخدام وسائل حجب الضوء الأزرق، بينما لم تجد دراسات أخرى تأثيرًا واضحًا لها.
كما تناولت دراسة أخرى الموضوع من زاوية أوسع، فلم تركز على الضوء الأزرق وحده، وإنما درست استخدام التكنولوجيا بصورة عامة، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي وطبيعة المحتوى الذي يستهلكه الأشخاص قبل النوم. وأشارت نتائجها إلى أن التأثير النفسي والعاطفي لما يفعله الشخص على جهازه قد يكون أكثر أهمية من الضوء الأزرق وحده.
الضوء الأزرق ليس عاملًا حاسمًا
نُشرت الدراسة الأولى في دورية Sleep Advances عام 2020، وركزت على سؤال محدد يتعلق بما إذا كانت النظارات التي تحجب الضوء الأزرق قادرة على تحسين النوم. واعتمد الباحثون على بيانات مستخلصة من 12 دراسة بحثية سابقة، شملت فئات مختلفة من المشاركين.
وتضمنت الدراسات أشخاصًا من المراهقين والبالغين، إلى جانب أفراد لا يعانون من مشكلات واضحة في النوم وأشخاص لديهم اضطرابات مرتبطة بالنوم. كما اختلفت مدة الدراسات، إذ استمرت بعض التجارب بضعة أيام، بينما امتدت أخرى إلى نحو شهر.
واستخدم المشاركون في الدراسات نظارات تحتوي على عدسات صفراء أو برتقالية، وهي ألوان مصممة للمساعدة على تقليل وصول الضوء الأزرق إلى العينين. وكان الهدف من ذلك معرفة ما إذا كان الحد من التعرض لهذا النوع من الضوء يؤدي فعلًا إلى تحسين النوم.
وأظهرت المراجعة أن النتائج لم تقدم نمطًا ثابتًا يمكن الاعتماد عليه لإثبات أن الضوء الأزرق يضر بالنوم بصورة مباشرة لدى الجميع. فقد وجدت بعض الدراسات أن ارتداء النظارات التي تحجب الضوء الأزرق ساعد على تحسين بعض مؤشرات النوم، في حين لم تجد دراسات أخرى فرقًا مهمًا بين استخدامها وعدم استخدامها.
ومن العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار أيضًا صغر حجم بعض مجموعات المشاركين في الدراسات، وهو ما قد يحد من القدرة على تعميم النتائج على جميع الأشخاص. كما بدا أن تأثير النظارات قد يكون أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات أو صعوبات في النوم مقارنة بالأشخاص الذين يتمتعون بنوم طبيعي.
وبناء على ذلك، لا يبدو أن جميع الأشخاص بحاجة بالضرورة إلى استخدام نظارات حجب الضوء الأزرق أو تجنب الشاشات بشكل كامل قبل النوم، خصوصًا إذا كانوا لا يواجهون مشكلة فعلية في الدخول إلى النوم أو الاستمرار فيه.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الضوء المنبعث من الشاشات لا يمكن أن يكون له أي تأثير. فالضوء في المساء يمكن أن يتداخل مع الإشارات التي يعتمد عليها الجسم لمعرفة الوقت المناسب للنوم، لكن حجم هذا التأثير قد يختلف من شخص إلى آخر، كما يمكن أن يتأثر بعوامل أخرى مرتبطة بعادات النوم ونمط استخدام الأجهزة.
ما تفعله على هاتفك يؤثر في النوم بدرجة أكبر
نشرت الدراسة الثانية في دورية Sleep Medicine Reviews عام 2024، واتخذت نهجًا مختلفًا في دراسة العلاقة بين التكنولوجيا والنوم. فبدلًا من التركيز فقط على نوع الضوء الصادر من الشاشة، حاول الباحثون معرفة ما إذا كان استخدام التكنولوجيا نفسه هو المشكلة، أم أن طبيعة النشاط الذي يقوم به الشخص على الجهاز هي العامل الأكثر تأثيرًا.
وتشير النتائج إلى أن الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على الطريقة التي يستخدم بها الشخص هاتفه أو جهازه الإلكتروني قبل النوم. فإذا كان النشاط هادئًا وغير محفز، مثل قراءة مادة مريحة أو مشاهدة محتوى هادئ، فقد لا يكون التأثير في النوم كبيرًا لدى بعض الأشخاص.
في المقابل، يمكن أن يكون استخدام الهاتف بطريقة نشطة ومثيرة للتوتر أكثر ارتباطًا بمشكلات النوم. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تصفح الأخبار المقلقة باستمرار، أو متابعة النقاشات الحادة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ممارسة ألعاب تنافسية إلى زيادة مستوى التنبيه النفسي والعاطفي قبل النوم.
وهنا تظهر نقطة مهمة، وهي أن المشكلة قد لا تكون في الضوء الأزرق وحده، وإنما في حالة اليقظة والتفاعل التي يسببها محتوى الشاشة. فالشخص الذي يقضي وقتًا طويلًا في متابعة الأخبار أو الرسائل أو المحتوى المثير قد يذهب إلى الفراش وهو أكثر نشاطًا ذهنيًا مما كان عليه قبل استخدام الهاتف.
كما أن التكنولوجيا قد تؤثر في النوم بطريقة أخرى لا ترتبط بالضوء على الإطلاق، وهي استهلاك الوقت المخصص للنوم. فقد يقرر الشخص مشاهدة حلقة إضافية من مسلسل، أو متابعة مقطع آخر، أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي لبضع دقائق إضافية، ثم يجد أن وقت النوم تأخر كثيرًا.
وقد تتكرر هذه العادة بصورة يومية، ما يؤدي في النهاية إلى تقليل عدد ساعات النوم التي يحصل عليها الشخص، حتى لو لم يكن الضوء الأزرق نفسه قد تسبب في مشكلة مباشرة. وقد يكون هذا التأثير السلوكي أكثر أهمية بالنسبة إلى بعض الأشخاص من تأثير الشاشة الضوئي.
وتوضح هذه النتائج أن التعامل مع استخدام الأجهزة قبل النوم لا ينبغي أن يعتمد فقط على سؤال واحد يتعلق بالضوء الأزرق. فمن المفيد أيضًا الانتباه إلى المحتوى الذي تتم متابعته، والحالة النفسية التي يسببها، والمدة التي يقضيها الشخص أمام الشاشة، وما إذا كان استخدام الجهاز يؤدي إلى تأخير موعد النوم.
لذلك، إذا كان الشخص يواجه صعوبة في النوم، فقد يكون من المفيد تجربة تقليل استخدام الأجهزة في الفترة السابقة للنوم، مع تجنب المحتوى المثير للقلق أو التوتر، والحرص على عدم تحويل وقت النوم إلى فترة طويلة من التصفح والترفيه الإلكتروني.
تشير الدراسات المذكورة إلى أن الضوء الأزرق ليس بالضرورة العدو الرئيسي للنوم كما كان يُعتقد سابقًا. فالعلاقة بين التكنولوجيا والنوم أكثر تعقيدًا، وقد تتداخل فيها عوامل عديدة تشمل نوع المحتوى، والتفاعل العاطفي، ومدة الاستخدام، وتأخير موعد النوم.
وهذا لا يعني تجاهل تأثير الضوء أو اعتبار استخدام الهاتف قبل النوم أمرًا لا يحمل أي آثار، وإنما يعني أن التركيز على الضوء الأزرق وحده قد لا يقدم الصورة الكاملة. والأفضل هو النظر إلى عادات استخدام التكنولوجيا والنوم بصورة شاملة، خصوصًا عندما تظهر مشكلات مستمرة في النوم.
- استخدام الهاتف قبل النوم لا يعني بالضرورة أن النوم سيتأثر لدى جميع الأشخاص.
- الضوء الأزرق يمكن أن يؤثر في الميلاتونين، لكن الدراسات لا تقدم دليلًا متسقًا على أنه العامل الحاسم في اضطرابات النوم.
- مراجعة علمية نشرت عام 2020 شملت 12 دراسة وجدت اختلافًا في نتائج الأبحاث المتعلقة بنظارات حجب الضوء الأزرق.
- بعض الدراسات وجدت تحسنًا في النوم عند استخدام نظارات حجب الضوء الأزرق، بينما لم تجد دراسات أخرى تأثيرًا واضحًا.
- يبدو أن تأثير نظارات حجب الضوء الأزرق قد يكون أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم مقارنة بمن لا يعانون منها.
- طبيعة النشاط الذي يمارسه الشخص على الهاتف قد تكون أكثر أهمية من الضوء الأزرق وحده.
- المحتوى المثير للقلق أو التوتر والألعاب التنافسية والتفاعل المستمر مع مواقع التواصل الاجتماعي قد يزيد من صعوبة الاسترخاء قبل النوم.
- استخدام الأجهزة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تأخير موعد النوم وتقليل عدد ساعات النوم.
- مشاهدة محتوى هادئ أو القيام بأنشطة مريحة على الأجهزة قد لا يكون له التأثير نفسه الذي يسببه المحتوى المثير أو المقلق.
- لتحسين النوم، من المفيد النظر إلى عادات استخدام التكنولوجيا بشكل كامل، وليس التركيز على الضوء الأزرق فقط.
- تشير الأبحاث الحديثة إلى أن العلاقة بين التكنولوجيا والنوم معقدة وتتأثر بالضوء والمحتوى والسلوك والوقت الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة.




